فتح الباري شرح صحيح البخاري
ابن حجر العسقلاني - أحمد بن علي بن حجر
العسقلاني
باب التوجه نحو القبلة حيث كان
فتح
الباري شرح صحيح البخاري: كِتَابُ الصَّلاَةِ بَابُ التَّوَجُّهِ نَحْوَ
القِبْلَةِ حَيْثُ كَانَ.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَكَبِّرْ».
٣٩٩
- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ
أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا،
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ}
[البقرة: ١٤٤]، فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ، وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنَ
النَّاسِ، وَهُمُ اليَهُودُ: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ
قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا، قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ
يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم} [البقرة: ١٤٢] فَصَلَّى
مَعَ النَّبِيِّ ﷺ
رَجُلٌ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ مَا صَلَّى، فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ
فِي صَلاَةِ العَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَقَالَ: هُوَ يَشْهَدُ: أَنَّهُ
صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ،
وَأَنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ، فَتَحَرَّفَ القَوْمُ، حَتَّى تَوَجَّهُوا
نَحْوَ الكَعْبَةِ.
الشرح:
قوله: (بَابُ التَّوَجُّهِ نَحْوَ
الْقِبْلَةِ حَيْثُ كَانَ) أَيْ: حَيْثُ وُجِدَ الشَّخْصُ فِي
سَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ كَمَا
يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي فِي الْبَابِ وَهُوَ حَدِيثُ
جَابِرٍ.
قوله: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) هَذَا
طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهِ فِي قِصَّةِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ، وَقَدْ سَاقَهُ
الْمُصَنِّفُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ.
قوله: (عَنِ الْبَرَاءِ) تَقَدَّمَ فِي
"بَابِ الصَّلَاةِ مِنَ الْإِيمَانِ" مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ بَيَانُ
مَنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مُصَرِّحًا بِتَحْدِيثِ الْبَرَاءِ لَهُ.
قوله: (وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ
إِلَى الْكَعْبَةِ) جَاءَ بَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ
وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
لَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ
إِلَى الْمَدِينَةِ
-وَالْيَهُودُ أَكْثَرُ أَهْلِهَا-
يَسْتَقْبِلُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ
الْمَقْدِسِ، فَفَرِحَتِ الْيَهُودُ، فَاسْتَقْبَلَهَا سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا،
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
يُحِبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ، فَكَانَ يَدْعُو وَيَنْظُرُ
إِلَى السَّمَاءِ، فَنَزَلَتْ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ:
إِنَّمَا كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى الْكَعْبَةِ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ
قَالُوا: يُخَالِفُنَا مُحَمَّدٌ وَيَتْبَعُ قِبْلَتَنَا، فَنَزَلَتْ.
وَظَاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا
أَنَّ اسْتِقْبَالَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِنَّمَا وَقَعَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَى
الْمَدِينَةِ، لَكِنْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
"كَانَ النَّبِيُّ ﷺ
يُصَلِّي بِمَكَّةَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْكَعْبَةُ بَيْنَ
يَدَيْهِ" وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُمْكِنٌ بِأَنْ يَكُونَ أُمِرَ ﷺ لَمَّا هَاجَرَ أَنْ
يَسْتَمِرَّ عَلَى الصَّلَاةِ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ
مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ أَوَّلَ مَا صَلَّى
إِلَى الْكَعْبَةِ، ثُمَّ صُرِفَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهُوَ بِمَكَّةَ
فَصَلَّى ثَلَاثَ حِجَجٍ، ثُمَّ هَاجَرَ فَصَلَّى إِلَيْهِ بَعْدَ قُدُومِهِ
الْمَدِينَةَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ وَجَّهَهُ اللَّهُ إِلَى الْكَعْبَةِ.
فَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْأَوَّلِ "أَمَرَهُ اللَّهُ"
يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ صَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِاجْتِهَادٍ.
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ
أَسْلَمَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةَ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى إِلَى بَيْتِ
الْمَقْدِسِ يَتَأَلَّفُ أَهْلَ الْكِتَابِ، وَهَذَا لَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ
بِتَوْقِيفٍ.
قوله: (نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ) أَيْ:
بِالْمَدِينَةِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي "بَابِ الصَّلَاةِ مِنَ الْإِيمَانِ"
فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ تَحْرِيرُ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَأَنَّهَا سِتَّةَ
عَشَرَ شَهْرًا وَأَيَّامٌ.
قوله: (يُوَجَّهُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ، أَيْ: يُؤْمَرُ
بِالتَّوَجُّهِ.
قوله: (فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رِجَالٌ) كَذَا فِي
رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِمَا
"رَجُلٌ" وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَانِ أَنَّ
اسْمُهُ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ، وَتَحْتَاجُ رِوَايَةُ الْمُسْتَمْلِي إِلَى
تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ فِي قَوْلِهِ "ثُمَّ خَرَجَ" أَيْ: بَعْضُ أُولَئِكَ
الرِّجَالِ.
قوله: (فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ نَحْوَ
بَيْتِ الْمَقْدِسِ) ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ "فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ يُصَلُّونَ
نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ" وَفِيهِ إِفْصَاحٌ بِالْمُرَادِ. وَوَقَعَ فِي
تَفْسِيرِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ثُوَيْلَةَ بِنْتِ أَسْلَمَ
"صَلَّيْتُ الظُّهْرَ
-أَوِ الْعَصْرَ- فِي مَسْجِدِ بَنِي
حَارِثَةَ فَاسْتَقْبَلْنَا مَسْجِدَ إِيلْيَاءَ فَصَلَّيْنَا سَجْدَتَيْنِ -أَيْ
رَكْعَتَيْنِ- ثُمَّ جَاءَنَا مَنْ يُخْبِرُنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِ اسْتَقْبَلَ
الْبَيْتَ الْحَرَامَ". وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي
تَحَوَّلَتِ الْقِبْلَةُ عِنْدَهَا، وَكَذَا فِي الْمَسْجِدِ فَظَاهِرُ حَدِيثِ
الْبَرَاءِ هَذَا أَنَّهَا الظُّهْرُ، وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي
الطَّبَقَاتِ قَالَ: يُقَالُ إِنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ فِي
مَسْجِدِهِ بِالْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى الْمَسْجِدِ
الْحَرَامِ، فَاسْتَدَارَ إِلَيْهِ وَدَارَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ. وَيُقَالُ
زَارَ النَّبِيُّ ﷺ
أُمَّ بِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ فِي بَنِي سَلَمَةَ فَصَنَعَتْ لَهُ
طَعَامًا وَحَانَتِ الظُّهْرُ فَصَلَّى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأَصْحَابِهِ
رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أُمِرَ فَاسْتَدَارَ إِلَى الْكَعْبَةِ وَاسْتَقْبَلَ
الْمِيزَابَ فَسُمِّيَ "مَسْجِدَ الْقِبْلَتَيْنِ"، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: هَذَا أَثْبَتُ عِنْدَنَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ
بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ قَالَ "كُنَّا مَعَ
النَّبِيِّ ﷺ
فِي إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ حِينَ صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ، فَدَارَ وَدُرْنَا
مَعَهُ فِي رَكْعَتَيْنِ"، وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ
"انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْتِ
الْمَقْدِسِ وَهُوَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِوَجْهِهِ إِلَى الْكَعْبَةِ"،
ولِلطَّبَرَانِيِّ نَحْوُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا
ضَعْفٌ.
قوله: (فَقَالَ) أَيِ: الرَّجُلُ (هُوَ
يَشْهَدُ) يَعْنِي: بِذَلِكَ نَفْسَهُ، وَهُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّجْرِيدِ،
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي نَقَلَ كَلَامَهُ بِالْمَعْنَى،
وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي الْإِيمَانِ بِلَفْظِ
"أَشْهَدُ" وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ هُنَاكَ.
٤٠٠
- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي
عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ
بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ
اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ،
حَيْثُ تَوَجَّهَتْ. فَإِذَا أَرَادَ الفَرِيضَةَ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ
القِبْلَةَ.
الشرح:
قوله: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) زَادَ الْأَصِيلِيُّ: "ابْنُ
إِبِرَاهِيمَ" (قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ) زَادَ الْأَصِيلِيُّ: "ابْنُ
أَبِي عَبْدِ اللَّهِ" وَهُوَ الدَّسْتُوائِيُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ) أَيِ: ابْنِ ثَوْبَانَ الْعَامِرِيِّ الْمَدَنِيِّ، وَلَيْسَ لَهُ
فِي الصَّحِيحُ عَنْ جَابِرٍ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي طَبَقَتِهِ مُحَمَّدُ
بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ وَلَمْ يُخَرِّجْ لَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ
جَابِرٍ شَيْئًا.
قوله:
(حَيْثُ تَوَجَّهْتُ) زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ: "بِهِ". وَالْحَدَيثُ
دَالٌّ عَلَى عَدَمِ تَرْكِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةَ فِي الْفَرِيضَةِ، وَهُوَ
إِجْمَاعٌ، لَكِنْ رَخَّصَ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ.
٤٠١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا
جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: قَالَ
عَبْدُ اللَّهِ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ قَالَ
إِبْرَاهِيمُ: لاَ أَدْرِي زَادَ أَوْ نَقَصَ - فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، أَحَدَثَ فِي الصَّلاَةِ شَيْءٌ؟ قَالَ: «وَمَا ذَاكَ»، قَالُوا: صَلَّيْتَ
كَذَا وَكَذَا. فَثَنَى رِجْلَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَسَجَدَ
سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، قَالَ: «إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ
فِي الصَّلاَةِ شَيْءٌ لَنَبَّأْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ
مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي، وَإِذَا
شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ، فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ،
ثُمَّ لِيُسَلِّمْ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ».
الشرح:
قوله: (عن منصور) هو ابن المعتمر و (إبراهيم) هو
ابن يزيد النخعي وأخطأ من قال إنه غيره، وهذه الترجمة من أصح الأسانيد.
قوله: (قال إبراهيم) أي: الراوي المذكور (لا أدري زاد أو نقص) أي: النبي ﷺ، والمراد أن إبراهيم شك
في سبب سجود السهو المذكور هل كان لأجل الزيادة أو النقصان، لكن سيأتي في الباب
الذي بعده من رواية الحكم عن إبراهيم بإسناده هذا "أنه صلى خمسًا" وهو
يقتضي الجزم بالزيادة فلعله شك لما حدث منصورًا وتيقن لما حدث الحكم، وقد تابع
الحكم على ذلك حماد بن أبي سليمان وطلحة بن مصرف وغيرهما، وعين في رواية الحكم
أيضًا وحماد أنها "الظهر" ووقع في الطبراني من رواية طلحة بن مصرف عن
إبراهيم أنها "العصر" وما في الصحيح أصح.
قوله: (أحدث) بفتحات ومعناه السؤال عن حدوث شيء من الوحي يوجب تغيير حكم الصلاة
عما عهدوه، ودل استفهامهم عن ذلك على جواز النسخ عندهم، وأنهم كانوا يتوقعونه.
قوله: (قال: «وما ذاك») فيه: إشعار بأنه لم يكن
عنده شعور بما وقع منه من الزيادة.
وفيه: دليل على جواز وقوع السهو من الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام، في الأفعال قال ابن دقيق العيد وهو قول عامة العلماء والنظار،
وشذت طائفة فقالوا "لا يجوز على النبي السهو" وهذا الحديث يرد عليهم
لقوله ﷺ فيه «أنسى كما تنسون» ولقوله «فإذا نسيت
فذكروني» أي: بالتسبيح ونحوه، وفي قوله «لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به» دليل
على عدم تأخير البيان عن وقت الحاجة.
ومناسبة الحديث للترجمة من قوله (فثنى رجله) وللكشميهني والأصيلي "رجليه"
بالتثنية (واستقبل القبلة) فدل على عدم ترك الاستقبال في كل حال من أحوال الصلاة.
واستدل به على رجوع الإمام إلى قول المأمومين، لكن يحتمل أن يكون تذكر عند
ذلك أو أعلم بالوحي أو أن سؤالهم أحدث عنده شكا فسجد لوجود الشك الذي طرأ لا لمجرد
قولهم.
قوله: «فليتحر الصواب» بالحاء المهملة والراء المشددة، أي: فليقصد والمراد البناء
على اليقين كما سيأتي واضحًا مع بقية مباحثه في "أبواب السهو" إن شاء
الله تعالى.
الحمد
لله رب العالمين
اللهُم ارحم مَوتانا مِن
المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ جَنّات النَعيمْ
تقبل الله منا ومنكم صالح
الأعمال
