باب ما جاء في القبلة

باب ما جاء في القبلة
المؤلف احمد خليل
تاريخ النشر
آخر تحديث

 فتح الباري شرح صحيح البخاري

ابن حجر العسقلاني - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني

باب – ما – جاء – في - القبلة

باب ما جاء في القبلة


فتح الباري شرح صحيح البخاري: كِتَابُ الصَّلاَةِ بَابُ مَا جَاءَ فِي القِبْلَةِ، وَمَنْ لَمْ يَرَ الإِعَادَةَ عَلَى مَنْ سَهَا، فَصَلَّى إِلَى غَيْرِ القِبْلَةِ.

وَقَدْ سَلَّمَ النَّبِيُّ فِي رَكْعَتَيِ الظُّهْرِ، وَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ ثُمَّ أَتَمَّ مَا بَقِيَ.

٤٠٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلاَثٍ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فَنَزَلَتْ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: ١٢٥] وَآيَةُ الحِجَابِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ، فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ البَرُّ وَالفَاجِرُ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجَابِ، وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ فِي الغَيْرَةِ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ}، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ [التحريم: ٥].

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا بِهَذَا.

 

الشرح:

قوله: (باب ما جاء في القبلة) أي: غير ما تقدم (ومن لم ير الإعادة على من سها فصلى إلى غير القبلة) وأصل هذه المسألة في المجتهد في القبلة إذا تبين خطؤه. فروى ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب، وعطاء والشعبي، وغيرهم أنهم قالوا: لا تجب الإعادة وهو قول الكوفيين، وعن الزهري ومالك وغيرهما: تجب في الوقت لا بعده، وعن الشافعي: يعيد إذا تيقن الخطأ مطلقًا، وفي الترمذي من حديث عامر بن ربيعة ما يوافق قول الأولين، لكن قال ليس إسناده بذاك.


قوله: (وقد سلم النبي ) إلى آخره هو طرف من حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين وهو موصول في "الصحيحين" من طرق، لكن قوله "وأقبل على الناس" ليس هو في "الصحيحين" بهذا اللفظ موصولًا لكنه في "الموطأ" من طريق أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد عن أبي هريرة.

ووهم ابن التين تبعًا لابن بطال حيث جزم بأنه طرف من حديث ابن مسعود الماضي؛ لأن حديث ابن مسعود ليس في شيء من طرقه أنه سلم من ركعتين.


ومناسبة هذا التعليق للترجمة من جهة أن بناءه على الصلاة دال على أنه في حال استدباره القبلة كان في حكم المصلي، ويؤخذ منه أن من ترك الاستقبال ساهيًا لا تبطل صلاته.

 

قوله: (عن أنس قال: قال عمر) هو من رواية صحابي عن صحابي، لكنه صغير عن كبير.


قوله: (وافقت ربي في ثلاث) أي: وقائع، والمعنى وافقني ربي فأنزل القرآن على وفق ما رأيت، لكن لرعاية الأدب أسند الموافقة إلى نفسه أو أشار به إلى حدث رأيه، وقدم الحكم وليس في تخصيصه العدد بالثلاث ما ينفي الزيادة عليها؛ لأنه حصلت له الموافقة في أشياء غير هذه من مشهورها قصة أسارى بدر، وقصة الصلاة على المنافقين وهما في "الصحيح" وصحح الترمذي من حديث ابن عمر أنه قال «ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال فيه عمر إلا نزل القرآن فيه على نحو ما قال عمر» وهذا دال على كثرة موافقته وأكثر ما وقفنا منها بالتعيين على خمسة عشر، لكن ذلك بحسب المنقول.

 

وقد تقدم الكلام على مقام إبراهيم، وسيأتي الكلام على مسألة الحجاب في "تفسير سورة الأحزاب" وعلى مسألة التخيير في "تفسير سورة التحريم".


وقوله في هذه الرواية: (واجتمع نساء النبي في الغيرة عليه فقلت لهن عسى ربه) إلى آخره ذكر فيه من وجه آخر عن حميد في "تفسير سورة البقرة" زيادة يأتي التنبيه عليها في "باب عشرة النساء" في أواخر "النكاح".


وقال بعضهم: كان اللائق إيراد هذا الحديث في الباب الماضي وهو قوله: {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: ١٢٥] والجواب: أنه عدل عنه إلى حديث ابن عمر للتنصيص فيه على وقوع ذلك من فعل النبي ، بخلاف حديث عمر هذا فليس فيه التصريح بذلك.


وأما مناسبته للترجمة فأجاب الكرماني: بأن المراد من الترجمة ما جاء في القبلة وما يتعلق بها فأما على قول من فسر مقام إبراهيم بالكعبة فظاهر أو بالحرم كله ف «من» في قوله {مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ} [البقرة: ١٢٥] للتبعيض و {مُصَلًّى} أي: قبلةً أو بالحجر الذي وقف عليه إبراهيم وهو الأظهر فيكون تعلقه بالمتعلق بالقبلة لا بنفس القبلة.

 

وقال ابن رشيد: الذي يظهر لي أن تعلق الحديث بالترجمة الإشارة إلى موضع الاجتهاد في القبلة؛ لأن عمر اجتهد في أن اختار أن يكون المصلى إلى مقام إبراهيم الذي هو في وجه الكعبة فاختار إحدى جهات القبلة بالاجتهاد وحصلت موافقته على ذلك. فدل على تصويب اجتهاد المجتهد إذا بذل وسعه ولا يخفى ما فيه.


قوله: (وقال ابن أبي مريم) في رواية كريمة "حدثنا ابن أبي مريم" وفائدة إيراد هذا الإسناد ما فيه من التصريح بسماع حميد من أنس فأمن تدليسه.


وقوله: (بهذا) أي: إسنادًا ومتنًا فهو من رواية أنس عن عمر لا من رواية أنس عن النبي .


وفائدة التعليق المذكور تصريح حميد بسماعه له من أنس وقد تعقبه بعضهم بأن يحيى بن أيوب لم يحتج به البخاري وإن خرج له في المتابعات.


وأقول: وهذا من جملة المتابعات ولم ينفرد يحيى بن أيوب بالتصريح المذكور فقد أخرجه الإسماعيلي من رواية يوسف القاضي عن أبي الربيع الزهراني عن هشيم أخبرنا حميد حدثنا أنس، والله أعلم.

٤٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: "بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ، إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الكَعْبَةِ".

 

الشرح:

قوله: (بينا الناس بقباء) بالمد والصرف وهو الأشهر ويجوز فيه القصر وعدم الصرف، وهو يذكر ويؤنث موضع معروف ظاهر المدينة، والمراد هنا مسجد قباء ففيه مجاز الحذف واللام في (الناس) للعهد الذهني والمراد أهل قباء ومن حضر معهم.


قوله: (في صلاة الصبح) ولمسلم "في صلاة الغداة" وهو أحد أسمائها وقد نقل بعضهم كراهية تسميتها بذلك، وهذا فيه مغايرة لحديث البراء المتقدم فإن فيه أنهم كانوا في صلاة العصر، والجواب: أن لا منافاة بين الخبرين؛ لأن الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخل المدينة، وهم بنو حارثة وذلك في حديث البراء والآتي بذلك إليهم عباد بن بشر أو ابن نهيك كما تقدم، ووصل الخبر وقت الصبح إلى من هو خارج المدينة وهم بنو عمرو بن عوف أهل قباء، وذلك في حديث ابن عمر ولم يسم الآتي بذلك إليهم وإن كان ابن طاهر وغيره نقلوا أنه عباد بن بشر ففيه نظر؛ لأن ذلك إنما ورد في حق بني حارثة في صلاة العصر، فإن كان ما نقلوا محفوظًا فيحتمل أن يكون عباد أتى بني حارثة أولًا في وقت العصر ثم توجه إلى أهل قباء فأعلمهم بذلك في الصبح.

 

ومما يدل على تعددهما أن مسلمًا روى من حديث أنس أن رجلًا من بني سلمة مر وهم ركوع في صلاة الفجر فهذا موافق لرواية ابن عمر في تعيين الصلاة وبنو سلمة غير بني حارثة.


قوله: (قد أنزل عليه الليلة قرآن) فيه إطلاق الليلة على بعض اليوم الماضي، وما يليه مجازًا والتنكير في قوله (قرآن) لإرادة البعضية، والمراد قوله تعالى: {
قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء} الآيات [البقرة: ١٤٤].


قوله: (وقد أمر) فيه أن ما يؤمر به النبي 
 يلزم أمته وأن أفعاله يؤتسى بها كأقواله حتى يقوم دليل الخصوص.


قوله: (فاستقبلوها) بفتح الموحدة للأكثر، أي: فتحولوا إلى جهة الكعبة وفاعل (استقبلوها) المخاطبون بذلك وهم أهل قباء.


وقوله: (وكانت وجوههم) إلى آخره تفسير من الراوي للتحول المذكور، ويحتمل أن يكون فاعل (استقبلوها) النبي 
 ومن معه وضمير (وجوههم) لهم أو لأهل قباء على الاحتمالين، وفي رواية الأصيلي "فاستقبلوها" بكسر الموحدة بصيغة الأمر ويأتي في ضمير (وجوههم) الاحتمالان المذكوران، وعوده إلى أهل قباء أظهر ويرجح رواية الكسر أنه عند المصنف في "التفسير" من رواية سليمان بن بلال عن عبد الله بن دينار في هذا الحديث بلفظ "وقد أمر أن يستقبل الكعبة ألا فاستقبلوها" فدخول حرف الاستفتاح يشعر بأن الذي بعده أمر لا أنه بقية الخبر الذي قبله، والله أعلم.


ووقع بيان كيفية التحول في حديث تويلة بنت أسلم عند ابن أبي حاتم وقد ذكرت بعضه قريبًا، وقالت فيه "فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء فصلينا السجدتين الباقيتين إلى البيت الحرام".

 

قلت: وتصويره أن الإمام تحول من مكانه في مقدم المسجد إلى مؤخر المسجد؛ لأن من استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس وهو لو دار كما هو في مكانه لم يكن خلفه مكًان يسع الصفوف، ولما تحول الإمام تحول الرجال حتى صاروا خلفه، وتحول النساء حتى صرن خلف الرجال، وهذا يستدعي عملًا كثيرًا في الصلاة فيحتمل أن يكون ذلك وقع قبل تحريم العمل الكثير، كما كان قبل تحريم الكلام، ويحتمل أن يكون اغتفر العمل المذكور من أجل المصلحة المذكورة، أو لم تتوال الخطا عند التحويل بل وقعت مفرقةً، والله أعلم.


وفي هذا الحديث: أن حكم الناسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه؛ لأن أهل قباء لم يؤمروا بالإعادة مع كون الأمر باستقبال الكعبة وقع قبل صلاتهم تلك بصلوات، واستنبط منه الطحاوي أن من لم تبلغه الدعوة، ولم يمكنه استعلام ذلك فالفرض غير لازم له.


وفيه: جواز الاجتهاد في زمن النبي 
؛ لأنهم لما تمادوا في الصلاة ولم يقطعوها دل على أنه رجح عندهم التمادي والتحول على القطع والاستئناف، ولا يكون ذلك إلا عن اجتهاد كذا قيل، وفيه نظر لاحتمال أن يكون عندهم في ذلك نص سابق؛ لأنه  كان مترقبًا التحويل المذكور فلا مانع أن يعلمهم ما صنعوا من التمادي والتحول.

 

وفيه: قبول خبر الواحد، ووجوب العمل به ونسخ ما تقرر بطريق العلم به؛ لأن صلاتهم إلى بيت المقدس كانت عندهم بطريق القطع لمشاهدتهم صلاة النبي  إلى جهته، ووقع تحولهم عنها إلى جهة الكعبة بخبر هذا الواحد. وأجيب: بأن الخبر المذكور احتفت به قرائن ومقدمات أفادت القطع عندهم بصدق ذلك المخبر فلم ينسخ عندهم ما يفيد العلم إلا بما يفيد العلم، وقيل كان النسخ بخبر الواحد جائزًا في زمنه  مطلقًا وإنما منع بعده ويحتاج إلى دليل.


وفيه: جواز تعليم من ليس في الصلاة من هو فيها، وأن استماع المصلي لكلام من ليس في الصلاة لا يفسد صلاته.

وقد تقدم الكلام على تعيين الوقت الذي حولت فيه القبلة في الكلام على حديث البراء في "كتاب الإيمان".


ووجه تعلق حديث ابن عمر بترجمة الباب أن دلالته على الجزء الأول منها من قوله (أمر أن يستقبل الكعبة) وعلى الجزء الثاني من حيث إنهم صلوا في أول تلك الصلاة إلى القبلة المنسوخة جاهلين بوجوب التحول عنها وأجزأت عنهم مع ذلك، ولم يؤمروا بالإعادة فيكون حكم الساهي كذلك، لكن يمكن أن يفرق بينهما بأن الجاهل مستصحب للحكم الأول مغتفر في حقه ما لا يغتفر في حق الساهي؛ لأنه إنما يكون عن حكم استقر عنده وعرفه.

 

٤٠٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ : الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقَالُوا: أَزِيدَ فِي الصَّلاَةِ؟ قَالَ: «وَمَا ذَاكَ» قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ.

 

الشرح:

قوله: (عن عبد الله) يعني: ابن مسعود (قال صلى النبي  الظهر خمسًا) تقدم الكلام عليه في الباب الذي قبله، وتعلقه بالترجمة من قوله (قال: «وما ذاك») أي: ما سبب هذا السؤال، وكان في تلك الحالة غير مستقبل القبلة سهوًا كما يظهر في الرواية الماضية من قوله "فثنى رجله واستقبل القبلة".


الحمد لله رب العالمين

اللهُم ارحم مَوتانا مِن المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ جَنّات النَعيمْ

تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال

تعليقات

عدد التعليقات : 0