شرح حديث / من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها

شرح حديث / من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها
المؤلف احمد خليل
تاريخ النشر
آخر تحديث
باب فيمن سن سنة حسنة أو سيئة
شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله
شرح - حديث - من - سن - في - الإسلام - سنة - حسنة - فله - أجرها
شرح حديث / من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها
أحاديث رياض الصالحين
باب فيمن سن سنة حسنة أو سيئة الحديث رقم 176
عن أبي عمرو جرير بن عبد الله- رضي الله عنه -قال: كنا في صدر النهار عند رسول الله فجاءه قوم عراة مجتابي النمار، أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر: فتمعر وجه رسول الله لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالًا فأذن وأقام، فصلى ثم خطب، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى آخر الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]، والآية الأخرى التي في آخر الحشر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: 18] تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: (ولو بشق تمرة) فجاء، رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ، يتهلل كأنه مذهبة؛ فقال رسول الله : (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء). رواه مسلم. (1)

قوله (مجتابى النمار) هو بالجيم وبعد الألف باء موحده، والنمار: جمع نمرة، وهي: كساء من صوف مخطط، ومعنى (مجتابيها) أي: لابسيها قد خرقوها في رؤوسهم (والجوب): القطع ومنه قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ (الفجر: 9)، أي: نحتوه وقطعوه. وقوله (تمعر) هو بالعين المهملة، أي تغير، وقوله: (رأيت كومين) بفتح الكاف وضمها؛ أي صبريتين. وقوله: (كأنه مذهبة) هو بالذال المعجمة، وفتح الهاء والباء الموحدة. قاله القاضي عياض وغيره. وصحفه بعضهم فقال: (مدهنة) بدال مهملة وضم الهاء والنون، وكذا ضبطه الحميدي، والصحيح المشهور هو الأول. والمراد به على الوجهين: الصفاء والاستنارة.

الشرح
ذكر المؤلف- رحمه الله -في باب من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، وهو حديث عظيم يتبين منه حرص النبي وشفقته على أمته صلوات الله وسلامه عليه، فبينما هم مع رسول الله في أول النهار إذا جاء قوم عامتهم من مضر أو كلهم من مضر مجتابي النمار، مقلدي السيوف رضي الله عنهم، يعني أن الإنسان ليس عليه إلا ثوبه قد اجتباه يستر به عورته، وقد ربطه على رقبته، ومعهم السيوف استعدادًا لما يؤمرون به من الجهاد رضي الله عنهم.
فتمعر وجه النبي يعني تغير وتلون لما رأى فيهم من الحاجة، وهم من مضر، من أشرف قبائل العرب، وقد بلغت بهم الحاجة إلى هذا الحال، ثم دخل بيته عليه الصلاة والسلام، ثم خرج، ثم أمر بلالًا فأذن، ثم صلى، ثم خطب الناس عليه الصلاة والسلام، فحمد الله كما هي عادته، ثم قرا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا[النساء: 1]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ[الحشر: 18].
ثم حث على الصدقة، فقال: (تصدق رجل بديناره، وتصدق بدرهمه، تصدق بثوبه، تصدق بصاع بره، تصدق بصاع تمره، حتى ذكر ولو شق تمرة) وكان الصحابة- رضي الله عنهم -أحرص الناس على الخير، وأسرعهم إليه، وأشدهم مسابقة، فخرجوا إلى بيوتهم فجاءوا بالصدقات، حتى جاء رجل بصرة معه في يده كادت تعجز يده عن حملها، بل قد عجزت من فضة ثم وضعها بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام.
ثم رأى جرير كومين من الطعام والثياب وغيرها قد جمع في المسجد، فصار وجه النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن تعمر، صار يتهلل كأنه مذهبة، يعني من شدة بريقه ولمعانه وسروره عليه الصلاة والسلام لما حصل من هذه المسابقة التي فيها سد حاجة هؤلاء الفقراء، ثم قال : (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء).
والمراد بالسنة في قوله : (من سن في الإسلام سنة حسنة) ابتدأ العمل بسنة، وليس من أحدث؛ لأن من أحدث في الإسلام ما ليس منه فهو رد وليس بحسن، لكن المراد بمن سنها أي صار أول من عمل بها؛ كهذا الرجل الذي جاء بالصرة رضي الله عنه، فدل هذا على أن الإنسان إذا وفق لسن سنة في الإسلام سواء إليها أو أحياها بعد أن أميتت.
وذلك لأن السنة في الإسلام ثلاثة أقسام: -
سنة سيئة: وهي البدعة، فهي سيئة وإن استحسنها من سنها لقول النبي : (كل بدعة ضلالة) (2).
وسنة حسنة: وهي على نوعين:
النوع الأول: أن تكون السنة مشروعة ثم يترك العمل بها ثم يجدها من يجددها، مثل قيام رمضان بإمام، فإن النبي شرع لأمته في أول الأمر الصلاة بإمام في قيام رمضان، ثم تخلف خشية أن تفرض على الأمة، ثم ترك الأمر في آخر حياة النبي ، وفي عهد أبي بكر رضي الله عنه وفي أو خلافة عمر، ثم رأى عمر رضي الله عنه أن يجمع الناس على إمام واحد ففعل، فهو رضي الله عنه قد سن في الإسلام سنة حسنة؛ لأنه أحيا سنة كانت قد تركت.
والنوع الثاني: من السنن الحسنة أن يكون الإنسان أول من يبادر إليها، مثل حال الرجل الذي بادر بالصدقة حتى تتابع الناس ووافقوه على ما فعل.
فالحاصل أن من سن في الإسلام سنة حسنة، ولا سنة حسنة إلا ما جاء به الشرع فله أجره وأجر من عمل بها من بعده.
وقد أخذ هذا الحديث أولئك القوم الذين يبتدعون في دين الله ما ليس منه، فيبتدعون أذكارًا ويبتدعون صلوات ما أنزل الله بها من سلطان، ثم يقولون: هذه سنة حسنة، نقول: لا، كل بدعة ضلالة وكلها سيئة، وليس في البدع من حسن، لكن المراد في الحديث من سابق إليها وأسرع، كما هو ظاهر السبب في الحديث، أو من أحياها بعد أن أميتت فهذا له أجرها وأجر من عمل بها.
وفي هذا الحديث الترغيب في فعل السنن التي أميتت وتركت وهجرت، فإنه يكتب لمن أحياها أجرها وأجر من عمل بها، وفيه التحذير من السنن السيئة، وأن من سن سنة سيئة؛ فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، حتى لو كانت في أول الأمر سهلة ثم توسعت، فإن عليه وزر هذا التوسع، مثل لو أن أحدًا من الناس رخص لأحد في شيء من المباح الذي يكون ذريعة واضحة إلى المحرم وقريبًا، فإنه إذا توسع الأمر بسبب ما أفتى به الناس فإن عليه الوزر ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، نعم لو كان الشيء مباحًا ولا يخشى منه أن يكون ذريعة إلى محرم، فلا بأس للإنسان أن يبينه للناس، كما لو كان الناس يظنون أن هذا الشيء محرم وليس بمحرم، ثم يبينه للناس من أجل أن يتبين الحق، ولكن لا يخشى عاقبته، فهذا لا باس به، أما شيء تخشى عاقبته، فإنه يكون عليه وزره ووزر من عمل به. والله أعلم.
الحمد لله رب العالمين
(1) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة. رقم (1017).
(2) تقدم تخريجه.
شرح -الحديث- النبوى- الشريف- من -سن -في -الإسلام -سنة- حسنة -فله -أجرها - وأجر -من- عمل- بها- من- بعده
اللهُم ارحم مَوتانا مِن المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ جَنّات النَعيمْ
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال

تعليقات

عدد التعليقات : 0