باب
المحافظة على الأعمال
شرح
العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله
شرح حديث/ يا عبد الله لا تكن مثل فلان
أحاديث رياض الصالحين: باب المحافظة على
الأعمال.
١٥٨- وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص
رضي اللَّه عنهما، قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ اللَّه ﷺ:
«يَا عبْدَ اللَّه، لا تَكُنْ مِثلَ فُلانٍ؛ كَانَ
يقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَك قيَامَ اللَّيْلِ» [١] متفقٌ عَلَيهِ.
١٥٩- وعن عائشةَ رضي اللَّه عنها،
قَالَتْ: كَانَ رسولُ اللَّه ﷺ إذَا فَاتَتْهُ
الصَّلاةُ مِنْ اللَّيْلِ مِنْ وجعٍ أَوْ غيْرِهِ، صلَّى مِنَ النَّهَارِ ثنْتَي
عشْرَةَ رَكْعَةً. [٢] رواه مسلم.
الشرح:
قال المؤلف رحمه الله تعالى، فيما نقله
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال له: «يَا
عبْدَ اللَّه، لا تَكُنْ مِثلَ فُلانٍ؛ كَانَ يقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَك قيَامَ
اللَّيْلِ» ساق المؤلف هذا الحديث في باب الاستقامة على الطاعة ودوامها،
وأن الإنسان لا يقطعها.
وقد وصى النبي عليه الصلاة والسلام، عبد
الله بن عمرو ألا يكون مثل فلان، ويحتمل هذا الإبهام أن يكون من النبي عليه الصلاة
والسلام، وأن النبي ﷺ أحب ألا يذكر
اسم الرجل، ويحتمل أنه من عبد الله بن عمرو أبهمه لئلا يطلع عليه الرواة، ويحتمل
أنه من الراوي بعد عبد الله بن عمرو.
وآيًا كان ففيه دليل على أن المهم من
الأمور والقضايا القضية نفسها دون ذكر الأشخاص، ولهذا كان من هدي النبي ﷺ أنه إذا أراد أن ينهي عن شيء فإنه لا يذكر
الأشخاص، وإنما يقول: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا وما أشبه ذلك.
وترك ذكر اسم الشخص فيه فائدتان عظيمتان:
الفائدة الأولى: الستر على هذا الشخص.
الفائدة الثانية: أن هذا الشخص ربما
تتغير حاله؛ فلا يستحق الحكم الذي يحكم عليه في الوقت الحاضر؛ لأن القلوب بيد
الله، فمثلًا: هب أنني رأيت رجلًا على فسق، فإذا ذكرت اسمه، فقلت لشخص: لا تكن مثل
فلان؛ يسرق أو يزني أو يشرب الخمر، أو ما أشبه ذلك، فربما تتغير حال هذا الرجل،
ويستقيم، ويعبد الله، فلا يستحق الحكم الذي ذكرته من قبل، فهذا كان الإبهام في هذه
الأمور أولى وأحسن، لما فيه من ستر، ولما فيه من الاحتياط إذا تغيرت حال الشخص.
وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «كَانَ يقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَك قيَامَ اللَّيْلِ»
التحذير من كون الإنسان يعمل العمل الصالح ثم يدعه، فإن هذا قد ينبئ عن رغبة عن
الخير، وكراهة له، وهذا خطر عظيم، وإن كان الإنسان قد يترك الشيء لعذر، فإذا تركه
لعذر، فإن كان مما يمكن قضاؤه قضاه وإن كان مما لا يمكن قضاؤه فإن الله تَبارَك وتعالى،
يعفو عنه، وقد ثبت عن النبي ﷺ: أن
من مرض أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا [٣]، وكذلك إذا تركه لعذر فإنه
يقضه.
وفي حديث عائشة الذي ساقه المؤلف: أن
النبي ﷺ كان إذا ترك القيام الليل
من وجع أو غيره، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة؛ لأنه ﷺ كان يوتر بإحدى عشر ركعة، فإذا قضي الليل ولم يوتر لنوم أو
شبهه؛ فإنه يقضي هذه الصلاة، لكن لما فات وقت الوتر صار المشروع أن يجعله شفعًا،
بناء على ذلك: فمن كان يوتر بثلاث ونام عن وتره فليصل في النهار أربعًا، وإذا كان
يوتر بخمس فليصل ستًا، وإن كان يوتر بسبع فليصل ثماني، وإن كان يوتر بتسع فليصل
عشرًا، وإن كان يوتر بإحدى عشرة ركعة فليصل اثنتي عشرة ركعة، كما كان النبي ﷺ يفعله.
وفي هذا دليل على فائدة مهمة: وهي أن
العبادة المؤقتة إذا فاتت عن وقتها لعذر فإنها تقضى، أما العبادة المربوطة بسبب؛
فإنه إذا زال سببها لا تقضى، ومن ذلك سُنّة الوضوء مثلًا؛ إذا توضأ الإنسان فإن من
السُنّة أن يصلي ركعتين، فإذا نسى ولم يذكر إلا بعد مدة طويلة سقطت عنه، وكذلك إذا
دخل المسجد وجلس ناسيًا، ولم يذكر إلا بعد مدة طويلة فإن تحية المسجد تسقط عنه؛
لأن المقرون بسبب لا بدَّ أن يكون مواليًا للسبب، فإن فصل بينهما سقط، والله
الموفق.
[١] أخرجه البخاري: كتاب التهجد، باب ما
يكره من ترك قيام الليل، رقم (١١٥٢)، ومسلم: كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر
لمن تضرر به، رقم (١١٥٩).
[٢] صحيح مسلم: (٧٤٦).
[٣] رواه البخاري: في الأدب المفرد
(١/١٧٦).
الْحمْد
لِلَّه ربِّ الْعالمين
اللَّهمَّ اِرْحم مَوْتَانا
مِن المسْلمين واجْمعْنَا بِهم فِي جَنَّات النَّعِيم
تَقبَل اَللَّه مِنَّا
ومنْكم صَالِح الأعْمال
