باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها

باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها
المؤلف احمد خليل
تاريخ النشر
آخر تحديث
لفضيلة الدكتور خالد بن عثمان السبت
باب – الأمر – بالمحافظة – على – السنة - وآدابها

باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها

أحاديث رياض الصالحين: باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها.

قَالَ الله تَعَالَى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: ٧]، وَقالَ تَعَالَى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: ٣-٤]، وَقالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: ٣١]، وَقالَ تَعَالَى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الأحزاب: ٢١]، وَقالَ تَعَالَى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: ٦٥]، وقَالَ الله تَعَالَى: {إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: ٥٩] قَالَ العلماء: معناه إِلَى الكتاب والسُنّة. وَقالَ تَعَالَى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: ٨٠]، وَقالَ تَعَالَى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ} [الشورى: ٥٢-٥٣]، وَقالَ تَعَالَى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: ٦٣]، وَقالَ تَعَالَى: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب: ٣٤]، والآيات في الباب كثيرة.

 

الشرح:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا باب في الأمر بالمحافظة على السُنّة، وآدابها، ويدخل تحت ذلك كل ما أثر عن النبي من الهدي مما قاله -عليه الصلاة والسلام- أو فعله، أو أقر عليه، فكل ذلك من سنته .

ثم ذكر المؤلف رحمه الله، جملة من الآيات في صدر هذا الباب على عادته، فمن ذلك قول الله تَعَالَى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: ٧]، وإن كانت واردة في أصل موضوعها الذي سيقت لتقريره ما أتاكم من المال، والفيء فخذوه {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وذلك أن الله عزَّ وجلَّ، لما فتح على رسوله النظير، وجعل ذلك النبي مختصًا بالمهاجرين دون الأنصار، ولم يعط إلا رجلين من الأنصار لفاقتهما، وحاجتهما فلم يعط -عليه الصلاة والسلام- منها للأنصار شيئًا، وذلك بعد أن نزعها الله عزَّ وجلَّ، من الجميع؛ لأن الله عزَّ وجلَّ، قال في الفيء: {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} [الحشر: ٦] بمعنى: الإيجاف هو الإسراع، أي: أنكم لم تقطعوا في تطلبه، وتحصيله شقة بعيدة، وذلك على الركاب، يعني: الإبل، ولم تغيروا فيه على عدو، وذلك بالخيل، فذكر الخيل، والركاب {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} بمعنى أنه لا يد لكم في هذا المال الذي حصل بهذه الطريقة التي نزل فيها الكفار عن أموالهم من غير قتال، فهذا هو الفيء، فنزعه من أيديهم، وجعل الحكم لله -تبارك وتعالى-.

 

بخلاف الغنيمة فإن أربعة أخماس الغنائم للمقاتلين، والخمس لله وللرسول، وأما هنا فإن القسمة تختلف، فنزعه من أيديهم، وقسمه النبي للمهاجرين خاصة دون الأنصار، فهنا قال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} يعني: من المال، والفيء {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} ما منعكم إياه، وحجبه عنكم فانتهوا عنه.

ولكنه يدخل في عموم لفظ الآية كل ما أمر به النبي وكل ما نهى عنه، وبهذا يستدل بها العلماء -رحمهم الله- على هذا المعنى {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ أي: تلقوا عنه كل ما أرشدكم إليه، كل ما أمركم به، فهو لا يأمركم إلا بخير، ويدخل في ذلك الآداب، وألوان الشرائع، شرائع الإسلام، ويدخل في ذلك العطايا، والأموال التي من أجلها سيقت هذه الآية.

وكذلك في النهي، فلفظها عام {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} وقد كان أصحاب النبي في أدبهم المعروف أنهم ما كانوا يفرقون في التلقي بين واجب ومندوب، وإنما يتلقون عن الله، وعن رسوله تلقي القبول الكامل، فإذا سمعوا شيئًا أسرعوا إلى تطبيقه، وتنفيذه، وما كانوا يتخيرون.

وقوله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} يفسره قول الله عزَّ وجلَّ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}، يفسره أيضًا الحديث: «ما نَهَيْتُكُمْ عنْه فَاجْتَنِبُوهُ، وَما أَمَرْتُكُمْ به فَافْعَلُوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ» [١].

 

قال: وقالَ تَعَالَى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: ٣-٤] ما ينطق عن الهوى، أي: عن هواه، أي: لا يتكلم -عليه الصلاة والسلام- في الأحكام بالتشهي، وإنما يتكلم عن وحي، ويبين عن علم علمه الله عزَّ وجلَّ إياه، ولم يكن ذلك من تلقاء نفسه -عليه الصلاة والسلام- وإذا عرف الإنسان هذه الحقيقة فإنه يطمئن إلى الأحكام الشرعية، وإن لم يدرك بعض الحكم التي من أجلها شرع هذا الحكم، قد لا يفهم لماذا يقف في عرفة، ولماذا يقف في مزدلفة، ولماذا يطوف سبعة أشواط ما يطوف ثمانية مثلاً، أو خمسة، ولماذا يرمي الجمار، وقد لا تفهم المرأة لماذا لها نصف الميراث، ولماذا دية المرأة نصف دية الرجل، قد لا تفهم هذا، أو قد لا يفهمه بعض الرجال، وقد يفهمه آخرون، لكن إذا عرف الإنسان أنه وحي يوحى اطمأن إلى أن هذه الأحكام في غاية العدل، وفي غاية الصواب، لا يأيتها الخطأ إطلاقًا، لا من جهة نقص العلم، ولا من جهة تنزيله، وذلك أن منزلها قد جمع بين العلم، فهو عليم، علمه أحاط بكل شيء، والحكمة يضع الأمور في مواضعها، ويوقعها في مواقعها، فيطمئن قلب المؤمن إلى أحكام الله عزَّ وجلَّ، فهي ليست كقوانين البشر التي تحتاج إلى مراجعة بين حين، وآخر، وتجديد، وإصلاح، ويوجد فيها من الثغرات ما لا يخفى.

أما أحكم الله عزَّ وجلَّ، فهو العالم بكل زمان، ومقتضياته، وما يتطلبه ذلك الزمان، وأنزل هذه الشرائع، وقرر أنها دائمة باقية لا تنسخ، فهي تصلح لهذا الزمان كما كانت تصلح للزمان الأول، زمن النبي ﷺ.

 

وذكر آية ثالثة، وهي قوله تَعَالَى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: ٣١] فهذه الآية أيضًا آمرة باتباع النبي ، وقد بينت حقيقة كبرى، وهي معيار كبير يوضح حقيقة محبة الله عزَّ وجلَّ، فالذين يدعون محبة الله كثير، كل أحد لربما يدعي أنه يحب الله، حتى الكفار، ولكنه هنا بين أمرًا {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ لأن الله يحب الذين يتبعون نبيه ؛ لأنه أرسله إليهم، وأمرهم بطاعته، والإئتساء به -عليه الصلاة والسلام- {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} فاتباعه ينبؤ عن حقيقة محبة الله عزَّ وجلَّ، فالذي يدعي أنه يحب الله، ولا يتبع النبي لا شك أن محبته مدخولة.

وكذلك من زعم أنه يحب النبي ولكنه لا يقتدي به في الهدي الظاهر، ولا يقتدي به في الهدي الباطن، فهذا لا يحبه على الحقيقة، الإنسان الذي يقتدي بأعداء الله عزَّ وجلَّ، في مظهره، وإذا رأيته، وصورته، وشكله لا تفرق بينه، وبين أعداء الله عزَّ وجلَّ، ثم يدعي أنه يحب رسول الله هذا لا يتأتى إطلاقًا، فهديه أكمل الهدي.

 

ولهذا قال العلماء رحمهم الله، إن من قصد الإتساء به حتى في الأمور العادية غير أمور التشريع، حتى في الأمور العادية التي هي أنه كان يحب الدباء مثلاً، كما كان أنس رضي الله عنه، يتتبع الدباء؛ لأن النبي كان يحبه [٢].

أو أنه كان يعجبه القميص، وهو هذا الثوب، وكان يحب الحلوى، ويحب الحلو البارد، وما أشبه ذلك، فمن فعل هذه الأمور، وأحبها؛ لأن النبي يحبها؛ فهو مأجور لهذا، مع أن العبد غير مطالب بذلك، ولكن لا شك أن شخصيته أكمل شخصية، فله الكمال -عليه الصلاة والسلام- في ذوقه، وفي هديه، وفي عمله، وفي طاعته لربه -تبارك وتعالى- فإذا أردنا أن نكمل شخصيتنا سواء في الصورة الظاهرة، أو في الأمور الباطنة؛ فعلينا أن نتبعه في كل ما جاء عنه مما يطلب اتباعه به.

{فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ} هذه نتيجة اتباع النبي يحصل من ذلك أن الله يحبنا فمن أراد أن الله يحبه؛ فليتبع نبيه والإنسان أيها الأحبة لربما يفرح إذا علم أن أحدًا من المخلوقين ممن يعظمه، ويجله، ويقدره أنه يحبه، فكيف إذا كان الله عزَّ وجلَّ، هو الذي يحبك، وليس ذلك فحسب، بل ويغفر لكم ذنوبكم؛ لأن الإنسان لا بد له من تقصير، فإذا كان ديدنه، ووجهته هي الإتساء بالنبي والعمل على متابعته فإن الله يغفر له تقصيره، ويغفر له ذنوبه، ويسدد له عمله.

 

وذكر آية أخرى، وهي قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الأحزاب: ٢١]، هذه الآية نزلت في الأحزاب لما تضعضع من تضعضع، وتزلزل من تزلزل، وكان أقوام يتسللون من معسكر رسول الله وبعضهم يستأذنه، يقولون: {إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ}  [الأحزاب: ١٣]، فالله عزَّ وجلَّ، يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ أي قدوة حسنة، يحسن الاتباع بها، والإتساء: {لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} لمن كان يرجو الله، أي: يرجو ثوابه، يرجو لقاءه، واليوم الآخر يؤمن بيوم يعرض فيه الناس على ربهم، ويجازيهم على أعمالهم جميعًا.

فلهم قدوة برسول الله كان يحفر معهم، وكان يربط على بطنه حجرين -عليه الصلاة والسلام- من شدة الجوع، وكان -عليه الصلاة والسلام- يجاهد في الله حق جهاده، ثم قال: وقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ} [النساء: ٦٥].

 

وذكر آية أخرى، وهي قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: ٦٥]. الله تبارك وتعالى، يقسم في هذه الآية {فَلَا وَرَبِّكَ والمعروف أن (لا) هذه التي تكون مع القسم أنها تكون لتوكيد القسم كقوله: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [القيامة: ١]، {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} [البلد: ١] فهي تأتي لتوكيد القسم.

وبعض أهل العلم يقولون بأن (لا) هذه تتعلق بمقول قبلها، أو بمقدر قبلها، أو نحو ذلك، لا لما تقولون لا لما تدعون، أو نحو ذلك يعني أنها على بابها في النفي.

وبعضهم يقول إنها على بابها في النفي بمعنى أن هذا أمر لا يحتاج إلى أن يقسم عليه؛ لأنه من الوضوح بمكان {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} نفى القسم؛ لأن هذا أمر ظاهر، لا يحتاج إلى قسم.

على كل حال هنا قال: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} نفى عنهم الإيمان حتى تتحقق هذه المذكورات في هذه الآية: {حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} فهذه ثلاثة أمور، فالتحاكم إلى النبي هذا واجب لا يصح الإيمان إلا به.

 

والله تبارك وتعالى، هنا ينفي الإيمان، وظاهره أن النفي نفي لصحته، وليس من قبيل النفي لكماله؛ لأن من يرفض التحاكم إلى الشرع، من يرفض التحاكم إلى النبي فذلك ليس بمؤمن، فالتحاكم إليه -عليه الصلاة والسلام- تحاكم إلى شرع الله تبارك وتعالى، تحاكم إلى الكتاب، والسُنّة هذا واجب يجب على كل مسلم، ولا يصح الإيمان إلا بذلك.

فهؤلاء الذين يعلنون أنهم يرفضون التحكيم لشرع الله عزَّ وجلَّ، ويعادون من يدعو إلى ذلك، وهؤلاء الذين يجدون غضاضة حينما يدعون إلى شرع الله عزَّ وجلَّ، ليحكم بينهم، أو هؤلاء الذين يخوفون الأعداء من اليهود، والنصارى من أهل الإيمان أنهم يريدون أنهم ينوون أنهم سيطالبون بتحكيم شرع الله عزَّ وجلَّ، هؤلاء ليسوا من أهل الإيمان أصلاً، هذا الذي يقول: نرفض تحكيم الشريعة، لا نقبل بتحكيم الشريعة هذا كافر مرتد عن الإسلام، ليس بمسلم، ولا يتصور الإيمان أصلاً من مثل هؤلاء، فهم كفرة، فجرة أعداء لله، وأعداء لرسله -عليهم الصلاة والسلام- وينبغي أن يوضع الحق في نصابه، وأن تعرف الأشياء، وأن يعرف حال هؤلاء الناس كيف يدعون الإيمان، وهم يخوفون اليهود والنصارى من شرع الله عزَّ وجلَّ، وتحكيم الشريعة، وأسماءهم محمد، وعبد الله، وزيد، وصالح، وخالد، وما إلى ذلك.

 

{لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} ،وليس ذلك فقط {ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ يعني: لا يكون في نفوسهم غضاضة، ولا يكون فيها ضيق مما حكم به الشرع، يعني: قد يتحاكمون فإذا حكم الشرع بينهم، وجدوا في أنفسهم انقباضا، فهؤلاء يجب أن تكون صدورهم منشرحة، وقلوبهم مطمئنة بحكم الله؛ لأنه هو الحق، وأن هذا الحكم هو الذي مبناه على العلم الكامل، والحكمة التامة، فيطمئن الإنسان إلى أن هذا هو الحق، فلا يكون في صدره غضاضة، ولا ضيقا، ولا تبرما من حكم شرع الله -تبارك وتعالى-.

وأيضًا أمر ثالث: قال: {وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا يعني قد يتحاكم، ولكنه في النهاية يرفض هذا الحكم يقول: لا نسلم به، نحن نرفض هذه النتيجة، نرفض هذا الصك الذي صدر، أو هذا الحكم الذي صدر، وفيه نصوص واضحة، وصريحة من الكتاب والسُنّة، فمثل هذا لا يصح الإيمان ممن كان بهذه المثابة، يجب عليه أن يقول: سمعنا وأطعنا، كما قال الله عزَّ وجلَّ: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور: ٥١] لا يكون للمؤمن أي خيار غير هذا، سمعنا وأطعنا.

أما الذي يقول: لا، وهذه أحكام كانت قبل أربعة عشر قرنًا لبيئة بدوية، ولا تصلح للقرن العشرين، وما إلى ذلك، فهذا لا يكون من أهل الإيمان بحال من الأحوال.

 

ثم قال الله تبارك وتعالى، أيضًا: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء: ٥٩] أحسن عاقبة، هو خير من كل وجه، خير لكم في الدنيا، خير للأفراد الذين وقع لهم هذا الحكم، وخير للمجتمع، خير للأمة، وأحسن عاقبة.

أما إذا كان التحاكم إلى غيره فإن ذلك يكون مضيعًا لضرورات الناس الخمس، وما يتبع ذلك من حاجياتهم، وتحسينياتهم تضيع الأديان، وتضيع النفوس، وتضيع العقول، وتضيع الأعراض، وتضيع الأموال.

{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} هذا أمر، والأصل أن الأمر للوجوب، وهو للوجوب هنا قطعًا، ثم علقه بهذا التعليق بهذا الشرط {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} فإن إيمانكم بالله أن يكون الله -تبارك وتعالى- هو الذي يحكم بينكم، والله عزَّ وجلَّ يقول: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: ٢١] فالتشريع هو من حق الله عزَّ وجلَّ وحده، ولا يجوز للناس أن يتخذوا مجالس تشريعية بأي اسم كانت، إنما المشرع هو الله، ومن جعل من نفسه مشرعًا، أو سمى نفسه بذلك، أو نحو هذا فهو مضاد لله -تبارك وتعالى- قد تعدى، وظلم، وتجاوز طوره، تعدى حده.

ثم قال النووي رحمه الله: قال العلماء: معناه إلى الكتاب والسُنّة، يعني: فردوه إلى الله، يعني: إلى كتابه، والرد إلى الرسول يعني: الرد إلى سنته، وكتاب الله موجود، ومحفوظ، وسنته محفوظة كذلك، قد ميز الجهابذة من العلماء الصحيح من السقيم، وتكلم النقاد في هذا بما هو معروف، واعتنوا به غاية العناية.

 

وقال تَعَالَى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: ٨٠]، أي: أن طاعة النبي هي طاعة لله عزَّ وجلَّ.

قال: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: ٥٢]، يعني: هؤلاء الذين يقولون نحن نقبل ما ذكره القرآن، ما نص عليه القرآن، هذا يقوله بعض من يسمون أنفسهم اليوم بالتنويرين، ويقوله بعض الليبراليين، وتقوله طائفة منحرفة في بلاد الهند، يقال لهم: القرآنيون، فمثل هؤلاء يقولون: نحن هذه السُنّة لا نقبل بها، ويذكرون في ذلك شبهات، ويوجد مواقع في الإنترنت، ويوجد حسابات في توتير، وفي وسائل الاتصال الحديثة تشكك في سُنّة رسول الله .

ولربما سمعت بعض هؤلاء المنحرفين يتكلم عن هدايات القرآن، وعن أنوار القرآن، وعن أن هذا الكتاب فيه كل ما يحتاج إليه، وفيه الهداية للبشرية، تقول: ما شاء الله، فتح الله على قلبه، وما عرف إلا بمعاداة الدين، وأهله!

فما الذي حصل الآن، ما الذي تغير، ما الذي جد عندك، ثم إذا استرسل في الكلام؛ بدأ يذكر لحنًا يعرف به نفاقه، فيبدأ يتكلم، ومن ثم فإننا لسنا بحاجة إلى أي شيء آخر غير القرآن، يريد بذلك الطعن في السُنّة، ورد سُنّة رسول الله .

 

ثم السُنّة هي شارحة للقرآن، يريدون أن يشرحوا القرآن هم بأفهامهم، ولذلك يقولون نحن بحاجة إلى كتابة أصول الفقه من جديد، أصول الفقه، نحن نقول: الأمر للوجوب، هم سيقولون: لا، الأمر ليس للوجوب، حينما يقال مثلاً: بأن النهي للتحريم، يقولون: لا، حينما يقال مثلاً: بأن المطلق يحمل على المقيد، العام على الخاص، هم يقولون: لا، فنحن نقرأ قراءة أخرى جديدة، قراءة تفسيرية بحسب أفهامنا، ومعطيات العصر، فيطوعون القرآن لشهواتهم، وأهوائهم، وضلالاتهم، وانحرافاتهم فهذه دعوة خطيرة، ومثل هؤلاء الذين يتكلمون بهذه القضايا نحن نسأله سؤالا بسيطا ما نحتاج ندخل معه في نقاش عميق، نقول: أنت تصلي، أو لا تصلي؟!

إذا قال: أنا لا أصلي نقول: أنت كافر، وحديثنا معك في قضايا أخرى، فإذا قال: أنا أصلي، نقول: كم تصلي من فرض؟! المغرب كم تصليها ركعة؟ العشاء كم تصليها ركعة؟ الظهر كم تصليها؟ إلى آخره، فإذا قال: أنا أصلي خمسة فروض، وأصلي المغرب ثلاث ركعات، والعشاء أربعا نقول من أين هذا لا يوجد في القرآن، من أين أخذت هذا؟

لا بد أن يقول: أخذته من السُنّة، نقول: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [البقرة: ٨٥].

 

فالشاهد أن مثل هؤلاء الذين يقولون نأخذ من القرآن، الله -تبارك وتعالى- يقول: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وقال: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: ٥٢]، وقال: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: ٦٣]، ويخالفون هنا مضمن؛ لأنه عدي بعن مضمن معنى ينحرفون، ونحو ذلك {أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: ٦٣] فتنة في الدنيا.

الإمام مالك -رحمه الله- لما جاءه رجل، وقال أريد أن أحرم من المسجد، ومعروف أن ميقات أهل المدينة قريب جدًا بناحية المدينة الآن تعداها البنيان، فقال له الإمام مالك: تحرم من الميقات إني أخشى عليك فتنة! قال: وأي فتنة، إنما هي أميال قليلة! فقرأ هذه الآية: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: ٦٣] لاحظ في قضية إحرام قبل الميقات، يريد أن يتقرب إلى الله أكثر، أن يحرم من المسجد النبوي، فأجابه إمام دار الهجرة -رحمه الله- بهذا الجواب.

فكيف بالذي يريد أن يلغي السُنّة بكاملها، ويعمل بأهوائه؟!

 

قال: {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الدنيا، أو في الآخرة.

وقال مخاطبا لأمهات المؤمنين: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب: ٣٤] لما أمر الله عزَّ وجلَّ، أمهات المؤمنين بالقرار في البيوت، قال: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب: ٣٣] تجلس ماذا تفعل؟!

تشتغل بما ينفعها {وَاذْكُرْنَ} وهذا الذكر يشمل الذكر القلبي في القلب، بالتفكر في المعاني، وإعمال الذهن فيها، وكذلك أيضًا {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ} الذكر باللسان، بالتلاوة، وبالقراءة {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ}يتلى، وجاء بالفعل مبنيا للمجهول، سواء ما يتلوه جبريل -عليه الصلاة والسلام- على النبي أو ما يتلوه رسول الله أو ما يتلوه غيره، يعني: مما يتلوه أزواجه مثلا، أو غير ذلك {مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ} وأضاف البيوت إليهن باعتبار أنهن المنتفعات بها؛ وذلك لأن النساء ملازمات للبيوت، قارات في البيوت، وإلا فالبيت للنبي وقد مضى الكلام على هذا فمكان المرأة إنما هو بيتها {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}.

قال: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} والحكمة ما هي؟!

هي السُنّة، فهذا هو كلام الله عزَّ وجلَّ واضح لا لبس فيه.

والآيات في ذلك كثيرة.

وأسأل الله عزَّ وجلَّ أن ينفعنا، وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا، وإياكم هداة مهتدين، وصلى الله على نبينا محمد، وآله، وصحبه.

 

[١] أخرجه مسلم: كتاب الفضائل، باب توقيره ﷺ وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه، أو لا يتعلق به تكليف وما لا يقع، ونحو ذلك، برقم: (١٣٣٧).

[٢] أخرجه البخاري: (٥٤٣٩)، ومسلم: (٢٠٤١). 


الْحمْد لِلَّه ربِّ الْعالمين

اللَّهمَّ اِرْحم مَوْتَانا مِن المسْلمين واجْمعْنَا بِهم فِي جَنَّات النَّعِيم

تَقبَل اَللَّه مِنَّا ومنْكم صَالِح الأعْمال

تعليقات

عدد التعليقات : 0