أحاديث رياض الصالحين: باب الاقتصاد في
الطاعة.
قال الله تعالى: {طه (١) مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ}
[طـه: ١-٢]، وقال تعالى:
{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ
بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: ١٨٥].
الشرح:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول
الله، أما بعد:
فتحدثنا في الليلة الماضية عن أول هذا
الباب، وهو "باب الاقتصاد في الطاعة"، وذكرنا من يصلح لهم طرح مثل هذه
الأحاديث ومثل هذا الموضوع، وذكرنا نوعين فيما يتعلق بالإفراط، ثم ذكر الإمام
النووي رحمه الله، آيتين في صدر هذا الباب على عادته في إيراد الآيات في أوائل
الأبواب.
قال الله تعالى: {طه (١) مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ}
[طـه: ١-٢]، وقال تعالى:
{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ
بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: ١٨٥]. فالآية الأولى خوطب فيها شخص النبي ﷺ، وذلك يشمله ويشمل أمته، فالله عزَّ
وجلَّ، أنزل
القرآن هدى للناس، بين فيه الحلال والحرام، وما يحتاجون إليه، وذكر فيه كل ما فيه
صلاحهم، ولم يكلفهم تكلفيًا يخرج عن طوقهم ووسعهم.
فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أنزل القرآن هدى للناس،
بين فيه الحلال والحرام، وما يحتاجون إليه، وذكر فيه كل ما فيه صلاحهم، ولم يكلفهم
تكلفيًا يخرج عن طوقهم ووسعهم، ورخص لهم ألوان الرخص في حال العجز عن القيام بما
تعبدهم به من ألوان العبادات، ولم يحملهم مشقة زائدة على المعهود.
ولهذا قال الله تَبارَك وتعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ
الْعُسْرَ} [البقرة: ١٨٥]، فهذه الآية وإن كانت نازلة في الصيام إلا أنها
تشمل الصوم، وتشمل غيره في سائر الأبواب، فإن الله تَبارَك وتعالى، حينما تعبدنا
بالصيام، أو الصلاة، أو الحج، أو غير ذلك لم يكن ذلك من أجل إيجاد المشقة، لم تكن
المشقة مقصودة لذاتها، ولو كانت مشقة معتادة، ولذلك فإن طلب المشقات، وتقصّد ذلك
في العبادات أمر لا وجه له، ولا يطالب به المكلف، بمعنى لو كان للإنسان طريق إلى
تحصيل العمل أو العبادة ميسر سهل، وطريق آخر فيه عسر ومشقة فإنه يسلك الطريق
السهل، والنبي ﷺ ما خير بين أمرين إلا اختار
أيسرهما ما لم يكن إثماً، ولذلك فإن العبد إذا قصد المشقة في العمل فإنه لا يؤجر
على ذلك، لكن المشقة العارضة من غير تطلب وقصد هي التي يؤجر عليها، وهي التي جاء
فيها حديث عائشة رضي الله عنها، في إحدى رواياته لما قال لها النبي ﷺ: إن أجرك على قدر نصَبك.
فمثل هذا في المشقات العارضة، أما أن
يتعمد الإنسان أن يصلي في مكان بارد، أو أن يصلي في مكان حار، أو أن يتعمد أن يصوم
في بلد حار من أجل أن يجد حر الصوم مثلاً فإن هذا أمر ليس مطلوبًا شرعًا.
أسأل الله عزَّ وجلَّ، أن يثبتنا وإياكم
بالقول الثابت، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وصلى الله على نبينا محمد،
وآله وصحبه.
الْحمْد
لِلَّه ربِّ الْعالمين
اللَّهمَّ اِرْحم مَوْتَانا
مِن المسْلمين واجْمعْنَا بِهم فِي جَنَّات النَّعِيم
تَقبَل اَللَّه مِنَّا
ومنْكم صَالِح الأعْمال
