شرح حديث/ أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها امرأة قال من هذه

شرح حديث/ أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها امرأة قال من هذه
المؤلف احمد خليل
تاريخ النشر
آخر تحديث

باب الاقتصاد في الطاعة

الدرر السنية 
شرح - حديث - أن - النبي - ﷺ - دخل - عليها - وعندها - امرأة - قال - من - هذه

شرح حديث/ أن النبي  دخل عليها وعندها امرأة قال من هذه


أحاديث رياض الصالحين: باب الاقتصاد في الطاعة


١٤٦ - وعن عائشةَ -رضي الله عنها- أَن النَّبيّ  دخَلَ عليْها وعِنْدها امْرأَةٌ قَالَ: «منْ هَذِهِ؟» قَالَتْ: هَذِهِ فُلانَة تَذْكُرُ مِنْ صَلاتِهَا، قالَ: «مَهُ عليكُمْ بِما تُطِيقُون، فَوَاللَّه لاَ يَمَلُّ اللَّهُ حتَّى تَمَلُّوا» وكَانَ أَحَبُّ الدِّينِ إِلَيْهِ ما داوَمَ صَاحِبُهُ علَيْهِ. متفقٌ عليه [١].


«ومهْ» كَلِمة نَهْى وزَجْرٍ، ومَعْنى «لاَ يملُّ اللَّهُ» أي: لاَ يَقْطَعُ ثَوابَهُ عنْكُمْ وَجَزَاءَ أَعْمَالِكُمْ، ويُعَامِلُكُمْ مُعاملَةَ الْمالِّ حَتَّى تَملُّوا فَتَتْرُكُوا، فَينْبَغِي لكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مَا تُطِيقُونَ الدَّوَامَ علَيْهِ لَيَدُومَ ثَوَابُهُ لَكُمْ وفَضْلُه عَلَيْكُمْ.

 

الشرح:

الدِّينُ يُسرٌ لا عُسرٌ، وقد أرشَدَ النبيُّ أُمَّتَه إلى الطَّريقِ الأرشدِ للدِّينِ والتَّديُّنِ، فأوضَحَ أنَّه يَنْبغي على المؤمنِ أنْ يَقومَ بما يُطِيقُه مِن العِبادةِ، مع التَّرغيبِ في القصْدِ في العملِ؛ حتَّى لا يُصابَ بالمَلَلِ والفُتورِ.

 

وفي هذا الحديثِ تَرْوي أمُّ المُؤمنِينَ عائشةُ -رَضيَ اللهُ عنها - أنَّ النبيَّ دَخَلَ عليها يومًا وكانتْ عندَها امرأةٌ، فلمَّا سأَلَ عنها النبيُّ ، ذكَرَتْ عائشةُ أنَّ هذه فُلانةُ، وسمَّتْها، ثمَّ ذكَرَتْ كَثرةَ صَلاتِها وعِبادتِها، وأطنَبَتْ في مَدْحِها، فزَجَرَها النبيُّ وقال: «مَهْ»! أي: كُفِّي عن مَدْحِها والثَّناءِ عليها؛ فما فعَلَتْه لا يَستحِقُّ الثَّناءَ؛ لمُخالفتِه السُّنَّةَ؛ فإنَّ الدِّينَ في مُتابَعةِ النبيِّ ، والعمَلِ بسُنَنِه، وليس في التَّشديدِ على النَّفسِ وإرهاقِها بالعِبادةِ.

 

ثمَّ أرشَدَنا النبيُّ فقال: «ولكنْ عليكم بما تُطيقونَ»، فاشتَغِلوا مِن الأعمالِ بما تَستطيعون المُداوَمةَ عليه، وافعَلوا ما تَقدِرون عليه مِن الصِّيامِ والقيامِ، ولا تَشُقُّوا على أنفُسِكم.

 

وقولُه: «فَوَاللهِ لا يَمَلُّ اللهُ حتَّى تَمَلُّوا»، مِن العُلماءِ مَن قال: إنَّ هذا دَليلٌ على إثباتِ صِفةِ المَلَلِ للهِ تعالَى، لكنَّ ملَلَ اللهِ ليس كمَلَلِ المخلوقِ؛ إذ إنَّ مَلَلَ المَخلوقِ نقْصٌ؛ لأنَّه يدُلُّ على سَأَمِه وضَجَرِه مِن هذا الشَّيءِ، أمَّا مَلَلُ اللهِ فهو كَمالٌ وليس فيه نقْصٌ، ويَجْري هذا كسائرِ الصِّفاتِ التي نُثبِتُها للهِ على وَجْهِ الكمالِ وإنْ كانت في حقِّ المَخلوقِ ليست كَمالًا.

 

ومِن العُلماءِ مَن يقولُ: إنَّ قولَه: «لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا» يُرادُ به بَيانُ أنَّه مهْما عَمِلْتَ مِن عمَلٍ فإنَّ اللهَ يُجازِيك عليه، فاعمَلْ ما بَدَا لك؛ فإنَّ اللهَ لا يَمَلُّ مِن ثَوابِك حتَّى تَمَلَّ مِن العمَلِ، وعلى هذا فيكونُ المرادُ بالمَللِ لازمَ المَلَلِ.

 

ومنهم مَن قال: إنَّ هذا الحديثَ لا يدُلُّ على صِفةِ المَلَلِ للهِ إطلاقًا؛ لأنَّ قولَ القائلِ: "لا أقومُ حتى تَقومَ" لا يَستلزِمُ قِيامَ الثاني، وهذا أيضًا: «لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا» لا يَستلزِمُ ثُبوتَ المَلَلِ للهِ -عزَّ وجلَّ.

 

قالتْ: وكانَ أحَبَّ الدِّينِ إلى رَسولِ اللهِ -وفي رِوايةِ الصَّحيحينِ: «إلى اللهِ» - ما دامَ واستَمرَّ عليه صاحِبُه وإنْ قَلَّ، كما في رِوايةِ مُسلمٍ؛ لأنَّ بالدَّوامِ على القليلِ تَدومُ الطَّاعةُ والذِّكرُ، والمُراقَبةُ، والنِّيَّةُ والإخلاصُ، والإقبالُ على الخالِقِ سُبحانه وتعالَى، ويُثمِرُ القليلُ الدائمُ بحيث يَزيدُ على الكثيرِ المُنقطِعِ أضعافًا كَثيرةً.

وفي الحديثِ: بَيانُ شَفقتِه ورَأفتِه بأُمَّتِه . وفيه: أنَّ العَملَ القليلَ الدائمَ خَيرٌ مِن الكثيرِ المُنقطِعِ.


الحمد لله رب العالمين

اللهُم ارحم مَوتانا مِن المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ جَنّات النَعيمْ

تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال

تعليقات

عدد التعليقات : 0