فتح الباري شرح صحيح البخاري
ابن
حجر العسقلاني - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني
باب لا تتحرى
الصلاة قبل غروب الشمس
فتح الباري شرح صحيح البخاري: كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلاَةِ بَابٌ: لاَ تُتَحَرَّى الصَّلاَةُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
٥٨٥- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
قَالَ: «لاَ يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ، فَيُصَلِّي
عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلاَ عِنْدَ غُرُوبِهَا».
الشرح:
قوله:
(باب لا تتحرى) بضم المثناة الفوقانية، والصلاة بالرفع؛ لأنها في مقام الفاعل، أو
بفتح المثناة التحتانية، والصلاة بالنصب والفاعل محذوف، أي: المصلي، وقد تقدم
الكلام على حديث ابن عمر في الباب الذي قبله، ولا تنافي بين قوله في الترجمة
"قبل الغروب" وبين قوله في الحديث "عند الغروب" لما نذكره
قريبا.
قوله:
«لا يتحرى» كذا وقع بلفظ الخبر، قال السهيلي: يجوز الخبر عن مستقر أمر الشرع، أي:
لا يكون إلا هذا.
قوله:
«فيصلي» بالنصب، والمراد نفي التحري والصلاة معا، ويجوز الرفع، أي: لا يتحرى أحدكم
الصلاة في وقت كذا فهو يصلي فيه، وقال ابن خروف: يجوز في "فيصلي" ثلاثة
أوجه: الجزم على العطف، أي: لا يتحر ولا يصل، والرفع على القطع، أي: لا يتحرى فهو
يصلي، والنصب على جواب النهي والمعنى لا يتحرى مصليا. وقال الطيبي: قوله لا يتحرى
نفي بمعنى النهي، ويصلي بالنصب؛ لأنه جوابه، كأنه قيل: لا يتحرى، فقيل: لم؟ فأجيب:
خيفة أن يصلي. ويحتمل أن يقدر غير ذلك. وقد وقع في رواية القعنبي في الموطأ
"لا يتحرى أحدكم أن يصلي" ومعناه لا يتحرى الصلاة.
٥٨٦- حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا
إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ الجُنْدَعِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ،
يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
يَقُولُ: «لاَ صَلاَةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى
تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلاَ صَلاَةَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ».
الشرح:
قوله: (عن صالح) هو ابن كيسان، ولم يخرج
البخاري لصالح بن أبي الأخضر شيئا.
قوله: «لا صلاة» قال ابن دقيق العيد: صيغة
النفي في ألفاظ الشارع إذا دخلت على فعل كان الأولى حملها على نفي الفعل الشرعي لا
الحسي؛ لأنا لو حملناه على نفي الحسي لاحتجنا في تصحيحه إلى إضمار والأصل عدمه
وإذا حملناه على الشرعي لم نحتج إلى إضمار فهذا وجه الأولوية، وعلى هذا فهو نفي
بمعنى النهي والتقدير لا تصلوا، وحكى أبو الفتح اليعمري عن جماعة من السلف أنهم
قالوا إن النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر إنما هو إعلام بأنهما لا يتطوع
بعدهما ولم يقصد الوقت بالنهي كما قصد به وقت الطلوع ووقت الغروب، ويؤيد ذلك ما
رواه أبو داود والنسائي بإسناد حسن عن علي عن النبي ﷺ قال "لا تصلوا بعد الصبح ولا بعد
العصر إلا أن تكون الشمس نقية"، وفي رواية "مرتفعة" فدل على أن
المراد بالبعدية ليس على عمومه وإنما المراد وقت الطلوع ووقت الغروب وماقاربهما،
والله أعلم. ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن الصلاة المنهية غير صحيحة فلازمه
ألا يقصد لها المكلف إذ العاقل لا يشتغل بما لا فائدة فيه.
قوله: «لا صلاة بعد الصبح» أي: بعد صلاة
الصبح وصرح به مسلم من هذا الوجه في الموضعين.
٥٨٧- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ، يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلاَةً لَقَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهَا، وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا، يَعْنِي: الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ.
الشرح:
قوله: (حدثنا محمد بن أبان) هو البلخي، وقيل:
الواسطي ولكل من القولين مرجح وكلاهما ثقة.
قوله: (عن معاوية) في رواية الإسماعيلي من
طريق معاذ، وغيره عن شعبة خطبنا معاوية، واتفق أصحاب شعبة على أنه من رواية أبي
التياح عن حمران، وخالفهم عثمان بن عمر وأبو داود الطيالسي فقالا عن أبي التياح عن
معبد الجهني عن معاوية، والطريق التي اختارها البخاري أرجح ويجوز أن يكون لأبي
التياح فيه شيخان.
قوله: (يصليهما) أي: الركعتين، وللحموي "يصليها"،
أي: الصلاة، وكذا وقع الخلاف بين الرواة في قوله "عنها" أو "عنهما"
وكلام معاوية مشعر بأن من خاطبهم كانوا يصلون بعد العصر ركعتين على سبيل التطوع
الراتب لها كما يصلى بعد الظهر وما نفاه من رؤيته صلاة النبي ﷺ لهما قد أثبته غيره والمثبت مقدم على
النافي، وسيأتي في الباب الذي بعده قول عائشة "كان لا يصليهما في المسجد"
لكن ليس في رواية الإثبات معارضة للأحاديث الواردة في النهي؛ لأن رواية الإثبات
لها سبب كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الباب الذي بعده فألحق بها ما له سبب وبقي
ما عداه على عمومه، والنهي فيه محمول على ما لا سبب له، وأما من يرى عموم النهي
ولا يخصه بما له سبب فيحمل إنكار معاوية على من يتطوع ويحمل الفعل على الخصوصية
ولا يخفى رجحان الأول. والله أعلم.
٥٨٨- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ عُبَيْدِ
اللَّهِ، عَنْ خُبَيْبٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:
" نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلاَتَيْنِ: بَعْدَ الفَجْرِ
حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ.
الشرح:
الحمد لله رب العالمين
اللهُم ارحم مَوتانا مِن المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ جَنّات النَعيمْ
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال
