باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس

باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس
المؤلف احمد خليل
تاريخ النشر
آخر تحديث

فتح الباري شرح صحيح البخاري

ابن حجر العسقلاني - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني

باب – الصلاة – بعد – الفجر – حتى – ترتفع - الشمس

باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس


فتح الباري شرح صحيح البخاري: كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلاَةِ بَابُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الفَجْرِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ.

٥٨١- حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي العَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ، أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ.

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ أَبَا العَالِيَةِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَاسٌ بِهَذَا.

 

الشرح:

قوله: (باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس) يعني: ما حكمها؟ قال الزين بن المنير: لم يثبت حكم النهي؛ لأن تعين المنهي عنه في هذا الباب مما كثر فيه الاختلاف، وخص الترجمة بالفجر من اشتمال الأحاديث على الفجر والعصر؛ لأن الصبح هي المذكورة أولا في سائر أحاديث الباب.
قلت: أو لأن العصر ورد فيها كونه صلى بعدها، بخلاف الفجر.

 

قوله: (هشام) هو ابن أبي عبد الله الدستوائي.


قوله: (عن أبي العالية) هو الرياحي بالياء التحتانية واسمه رفيع بالتصغير، ووقع مصرحا به عند الإسماعيلي من رواية غندر عن شعبة، وأورد المصنف طريق يحيى وهو القطان عن شعبة عن قتادة سمعت أبا العالية. والسر فيها التصريح بسماع قتادة له من أبي العالية وإن كانت طريق هشام أعلى منها.

 

قوله: (شهد عندي) أي: أعلمني أو أخبرني، ولم يرد شهادة الحكم.


قوله: (مرضيون) أي: لا شك في صدقهم ودينهم، وفي رواية الإسماعيلي من طريق يزيد بن زريع عن همام "شهد عندي رجال مرضيون فيهم عمر"، وله من رواية شعبة "حدثني رجال أحبهم إلي عمر".

قوله: (ناس بهذا) أي: بهذا الحديث بمعناه، فإن مسددا رواه ومن طريقه البيهقي ولفظه "حدثني ناس أعجبهم إلي عمر"، وقال فيه "حتى تطلع الشمس"، ووقع في الترمذي عنه "سمعت غير واحد من أصحاب النبي منهم عمر، وكان من أحبهم إلي".

قوله: (بعد الصبح) أي: بعد صلاة الصبح؛ لأنه لا جائز أن يكون الحكم فيه معلقا بالوقت، إذ لا بد من أداء الصبح، فتعين التقدير المذكور. قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث معمول به عند فقهاء الأمصار، وخالف بعض المتقدمين وبعض الظاهرية من بعض الوجوه.

قوله: (حتى تشرق) بضم أوله من أشرق، يقال أشرقت الشمس ارتفعت وأضاءت، ويؤيده حديث أبي سعيد الآتي في الباب بعده بلفظ "حتى ترتفع الشمس" ويروى بفتح أوله وضم ثالثه بوزن تغرب يقال شرقت الشمس، أي: طلعت، ويؤيده رواية البيهقي من طريق أخرى عن ابن عمر شيخ البخاري فيه بلفظ "حتى تشرق الشمس أو تطلع" على الشك، وقد ذكرنا أن في رواية مسدد "حتى تطلع الشمس" بغير شك، وكذا هو في حديث أبي هريرة الآتي آخر الباب بلفظ "حتى تطلع الشمس" بالجزم، ويجمع بين الحديثين بأن المراد بالطلوع طلوع مخصوص، أي: حتى تطلع مرتفعة.

قال النووي: أجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها في الأوقات المنهي عنها، واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها، واختلفوا في النوافل التي لها سبب كصلاة تحية المسجد وسجود التلاوة والشكر وصلاة العيد والكسوف وصلاة الجنازة وقضاء الفائتة، فذهب الشافعي وطائفة إلى جواز ذلك كله بلا كراهة، وذهب أبو حنيفة وآخرون إلى أن ذلك داخل في عموم النهي، واحتج الشافعي بأنه قضى سنة الظهر بعد العصر، وهو صريح في قضاء السنة الفائتة فالحاضرة أولى والفريضة المقضية أولى، ويلتحق ما له سبب.

قلت: وما نقله من الإجماع والاتفاق متعقب فقد حكى غيره عن طائفة من السلف الإباحة مطلقا وأن أحاديث النهي منسوخة، وبه قال داود وغيره من أهل الظاهر، وبذلك جزم ابن حزم، وعن طائفة أخرى المنع مطلقا في جميع الصلوات، وصح عن أبي بكرة وكعب بن عجرة المنع من صلاة الفرض في هذه الأوقات، وحكى آخرون الإجماع على جواز صلاة الجنازة في الأوقات المكروهة، وهو متعقب بما سيأتي في بابه، وما ادعاه ابن حزم وغيره من النسخ مستندا إلى حديث "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فليصل إليها أخرى" فدل على إباحة الصلاة في الأوقات المنهية. انتهى.

وقال غيرهم: ادعاء التخصيص أولى من ادعاء النسخ فيحمل النهي على ما لا سبب له، ويخص منه ما له سبب جمعا بين الأدلة، والله أعلم.


وقال البيضاوي: اختلفوا في جواز الصلاة بعد الصبح والعصر وعند الطلوع والغروب وعند الاستواء، فذهب داود إلى الجواز مطلقا وكأنه حمل النهي على التنزيه.


قلت: بل المحكي عنه أنه ادعى النسخ كما تقدم، قال: وقال الشافعي تجوز الفرائض وما له سبب من النوافل، وقال أبو حنيفة: يحرم الجميع سوى عصر يومه، وتحرم المنذورة أيضا. وقال مالك: تحرم النوافل دون الفرائض، ووافقه أحمد، لكنه استثنى ركعتي الطواف.

 

(تنبيه): لم يقع لنا تسمية الرجال المرضيين الذين حدثوا ابن عباس بهذا الحديث، وبلغني أن بعض من تكلم على العمدة تجاسر وزعم أنهم المذكورون فيها عند قول مصنفها: وفي الباب عن فلان وفلان. ولقد أخطأ هذا المتجاسر خطأ بينا فلا حول ولا قوة إلا بالله.

 


٥٨٢- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «لاَ تَحَرَّوْا بِصَلاَتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلاَ غُرُوبَهَا».

 

الشرح:

قوله: (عن هشام) هو ابن عروة بن الزبير.


قوله: «لا تحروا» أصله لا تتحروا فحذفت إحدى التاءين، والمعنى لا تقصدوا، واختلف أهل العلم في المراد بذلك فمنهم من جعله تفسيرا للحديث السابق ومبينا للمراد به، فقال لا تكره الصلاة بعد الصبح ولا بعد العصر إلا لمن قصد بصلاته طلوع الشمس وغروبها وإلى ذلك جنح بعض أهل الظاهر، وقواه ابن المنذر واحتج له وقد روى مسلم من طريق طاوس عن عائشة قالت: وهم عمر إنما نهى رسول الله أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها. انتهى. وسيأتي من قول ابن عمر أيضا ما يدل على ذلك قريبا بعد بابين وربما قوى ذلك بعضهم بحديث "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليضف إليها أخرى" فأمر بالصلاة حينئذ فدل على أن الكراهة مختصة بمن قصد الصلاة في ذلك الوقت لا من وقع له ذلك اتفاقا، وسيأتي لهذا مزيد بيان في آخر الباب الذي بعده ومنهم من جعله نهيا مستقلا، وكره الصلاة في تلك الأوقات سواء أقصد لها أم لم يقصد وهو قول الأكثر.

 

قال البيهقي: إنما قالت ذلك عائشة؛ لأنها رأت النبي يصلي بعد العصر فحملت نهيه على من قصد ذلك لا على الإطلاق. وقد أجيب عن هذا: بأنه إنما صلى حينئذ قضاء كما سيأتي وأما النهي فهو ثابت من طرق جماعة من الصحابة غير عمر فلا اختصاص له بالوهم. والله أعلم.

 


٥٨٣- وَقَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلاَةَ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلاَةَ حَتَّى تَغِيبَ» تَابَعَهُ عَبْدَةُ.

 

الشرح:

قوله: (قال وحدثني ابن عمر) هو مقول عروة أيضا وهو حديث آخر وقد أفرده الإسماعيلي وذكر أنه وقع له الحديثان معا من رواية علي بن مسهر وعيسى بن يونس ومحمد بن بشر ووكيع ومالك بن سعير ومحاضر كلهم عن هشام وأنه وقع له الحديث الثاني فقط من رواية عبد الله بن نمير عن هشام.


قوله: «حتى ترتفع» جعل ارتفاعها غاية النهي وهو يقوي رواية من روى الحديث الماضي بلفظ "حتى تشرق" من الإشراق وهو الارتفاع كما تقدم.

 

قوله: (تابعه عبدة) يعني: ابن سليمان، والضمير يعود على يحيى بن سعيد وهو القطان، يعني: تابع يحيى القطان على روايته لهذا الحديث عن هشام ورواية عبدة هذه موصولة عند المصنف في "بدء الخلق" وفيه الحديثان معا، وقال فيه "حتى تبرز" بدل "ترتفع" وقال فيه "لا تحينوا" بالياء التحتانية والنون وزاد فيه "فإنها تطلع بين قرني شيطان".


(وفيه): إشارة إلى علة النهي عن الصلاة في الوقتين المذكورين، وزاد مسلم من حديث عمرو بن عبسة "وحينئذ يسجد لها الكفار" فالنهي حينئذ لترك مشابهة الكفار وقد اعتبر ذلك الشرع في أشياء كثيرة وفي هذا تعقب على أبي محمد البغوي حيث قال إن النهي عن ذلك لا يدرك معناه، وجعله من قبيل التعبد الذي يجب الإيمان به، وسيأتي الكلام على المراد بقوله "بين قرني الشيطان" في أوائل "بدء الخلق" إن شاء الله تعالى.


قوله: «حاجب الشمس» أي: طرف قرصها، قال الجوهري حواجب الشمس نواحيها.

 


٥٨٤- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ، وَعَنْ لِبْسَتَيْنِ وَعَنْ صَلاَتَيْنِ: نَهَى عَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ الفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَعَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَعَنْ الِاحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، يُفْضِي بِفَرْجِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَعَنِ المُنَابَذَةِ، وَالمُلاَمَسَةِ.

 

الشرح:

قوله: (عن عبيد الله) هو ابن عمر العمري.


قوله: (حفص بن عاصم) أي: ابن عمر بن الخطاب وهو جد عبيد الله بن عمر المذكور في هذا الإسناد.


قوله: (وعن صلاتين) محصل ما في الباب أربعة أحاديث الأول والأخير يتعلقان بالفعل، والثاني والثالث يتعلقان بالوقت، وقد تقدم نقل اختلاف العلماء في ذلك، وسيأتي الكلام على البيعتين في "كتاب البيع"، وعلى اللبستين في "كتاب اللباس".

 

قوله: (بعد الفجر) أي: بعد صلاة الفجر كما تقدم.


الحمد لله رب العالمين

اللهُم ارحم مَوتانا مِن المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ جَنّات النَعيمْ

تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال

تعليقات

عدد التعليقات : 0