فتح الباري شرح
صحيح البخاري
ابن حجر العسقلاني - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني
باب قوله تعالى واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى
فتح الباري شرح صحيح البخاري: كِتَابُ الصَّلاَةِ بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: ١٢٥].
٣٩٥
- حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا
عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ عَنْ رَجُلٍ طَافَ
بِالْبَيْتِ العُمْرَةَ، وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، أَيَأْتِي
امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ،
فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ
بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ
حَسَنَةٌ.
الشرح:
قوله:
(باب قوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ
إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}) وقع في روايتنا {وَاتَّخِذُوا} بكسر الخاء على الأمر وهي إحدى
القراءتين، والأخرى بالفتح على الخبر، والأمر دال على الوجوب، لكن انعقد الإجماع
على جواز الصلاة إلى جميع جهات الكعبة فدل على عدم التخصيص، وهذا بناء على أن
المراد بمقام إبراهيم الحجر الذي فيه أثر قدميه وهو موجود إلى الآن، وقال مجاهد:
المراد بمقام إبراهيم الحرم كله، والأول أصح، وقد ثبت دليله عند مسلم من حديث
جابر، وسيأتي عند المصنف أيضا.
قوله:
{مُصَلًّى} أي: قبلة، قاله الحسن البصري
وغيره، وبه يتم الاستدلال. وقال مجاهد: أي مدعى يدعى عنده، ولا يصح حمله على مكان
الصلاة؛ لأنه لا يصلى فيه بل عنده، ويترجح قول الحسن بأنه جار على المعنى الشرعي،
واستدل المصنف على عدم التخصيص أيضا بصلاته ﷺ
داخل الكعبة، فلو تعين استقبال المقام لما صحت هناك؛ لأنه كان حينئذ غير مستقبله،
وهذا هو السر في إيراد حديث ابن عمر عن بلال في هذا الباب، وقد روى الأزرقي في
"أخبار مكة" بأسانيد صحيحة أن المقام كان في عهد النبي ﷺ
وأبي بكر وعمر في الموضع الذي هو فيه الآن، حتى جاء سيل في خلافة عمر فاحتمله حتى
وجد بأسفل مكة، فأتي به فربط إلى أستار الكعبة حتى قدم عمر فاستثبت في أمره حتى
تحقق موضعه الأول فأعاده إليه وبنى حوله فاستقر ثم إلى الآن.
٣٩٦ -
وَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: لاَ يَقْرَبَنَّهَا حَتَّى
يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ.
قوله: (طاف بالبيت للعمرة) كذا للأكثر، وللمستملي
والحموي "طاف بالبيت لعمرة" بحذف اللام من قوله "للعمرة" ولا
بد من تقديرها ليصح الكلام.
قوله: (أيأتي امرأته) أي: هل حل من
إحرامه حتى يجوز له الجماع وغيره من محرمات الإحرام؟ وخص إتيان المرأة بالذكر؛
لأنه أعظم المحرمات في الإحرام، وأجابهم ابن عمر بالإشارة إلى وجوب اتباع النبي ﷺ لا سيما في أمر
المناسك، لقوله ﷺ:
«خذوا عني مناسككم» وأجابهم جابر بصريح النهي، وعليه أكثر الفقهاء، وخالف فيه ابن
عباس فأجاز للمعتمر التحلل بعد الطواف، وقبل السعي، وسيأتي بسط ذلك في موضعه من
كتاب الحج إن شاء الله تعالى.
والمناسب للترجمة من هذا الحديث قوله
"وصلى خلف المقام ركعتين" وقد يشعر بحمل الأمر في قوله
"واتخذوا" على تخصيص ذلك بركعتي الطواف، وقد ذهب جماعة إلى وجوب ذلك خلف
المقام كما سيأتي في مكانه في الحج إن شاء الله تعالى.
٣٩٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ
سَيْفٍ -يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ- قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، قَالَ: أُتِيَ
ابْنُ عُمَرَ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الكَعْبَةَ،
فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَأَقْبَلْتُ وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ خَرَجَ
وَأَجِدُ بِلاَلًا قَائِمًا بَيْنَ البَابَيْنِ، فَسَأَلْتُ بِلاَلًا، فَقُلْتُ:
أَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي الكَعْبَةِ؟
قَالَ: نَعَمْ، رَكْعَتَيْنِ، بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ عَلَى
يَسَارِهِ إِذَا دَخَلْتَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى فِي وَجْهِ الكَعْبَةِ
رَكْعَتَيْنِ.
الشرح:
قَوْلُهُ: (عَنْ سَيْفٍ) هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ
أَوِ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ الْمَكِّيُّ.
قَوْلُهُ: (أَتَى ابْنُ عُمَرَ) لَمْ أَقِفْ عَلَى
اسْمِ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَأَجِدُ) بَعْدَ قَوْلِهِ: (فَأَقْبَلْتُ) وَكَانَ الْمُنَاسِبُ
لِلسِّيَاقِ أَنْ يَقُولَ وَوَجَدْتُ، وَكَأَنَّهُ عَدَلَ عَنِ الْمَاضِي إِلَى
الْمُضَارِعِ اسْتِحْضَارًا لِتِلْكَ الصُّورَةِ حَتَّى كَأَنَّ الْمُخَاطَبَ
يُشَاهِدُهَا.
قَوْلُهُ: (قَائِمًا بَيْنَ الْبَابَيْنِ) أَيْ: الْمِصْرَاعَيْنِ،
وَحَمَلَهُ الْكِرْمَانِيُّ تَجْوِيزًا عَلَى حَقِيقَةِ التَّثْنِيَةِ وَقَالَ:
أَرَادَ بِالْبَابِ الثَّانِي الَّذِي لَمْ تَفْتَحْهُ قُرَيْشٌ حِينَ بَنَتِ
الْكَعْبَةَ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ، أَوْ كَانَ إِخْبَارُ الرَّاوِي بِذَلِكَ
بَعْدَ أَنْ فَتَحَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَهَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ
ابْنُ عُمَرَ وَجَدَ بِلَالًا فِي وَسَطِ الْكَعْبَةِ، وَفِيهِ بُعْدٌ. وَفِي
رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ "بَيْنَ النَّاسِ" بِنُونٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ
وَهِيَ أَوْضَحُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ نَعَمْ رَكْعَتَيْنِ) أَيْ: صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَقَدِ
اسْتَشْكَلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُ هَذَا مَعَ أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنِ
ابْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ وَغَيْرِهِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ
"وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى" قَالَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ
أَخْبَرَهُ بِالْكَيْفِيَّةِ وَهِيَ تَعْيِينُ الْمَوْقِفِ فِي الْكَعْبَةِ،
وَلَمْ يُخْبِرْهُ بِالْكَمِّيَّةِ، وَنَسِيَ هُوَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْهَا،
وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ اعْتَمَدَ
فِي قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ رَكْعَتَيْنِ عَلَى الْقَدْرِ
الْمُتَحَقِّقِ لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ بِلَالًا أَثْبَتَ لَهُ أَنَّهُ صَلَّى
وَلَمْ يَنْقُلْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَنَفَّلَ فِي
النَّهَارِ بِأَقَلَّ مِنْ رَكْعَتَيْنِ، فَكَانَتِ الرَّكْعَتَانِ مُتَحَقِّقًا
وُقُوعُهُمَا لِمَا عُرِفَ بِالِاسْتِقْرَاءِ مِنْ عَادَتِهِ. فَعَلَى هَذَا
فَقَوْلُهُ "رَكْعَتَيْنِ" مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ لَا مِنْ كَلَامِ
بِلَالٍ. وَقَدْ وَجَدْتُ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَمْعٌ آخَرُ
بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي
"كِتَابِ مَكَّةَ" مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ
عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ "فَاسْتَقْبَلَنِي
بِلَالٌ فَقُلْتُ: مَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَاهُنَا؟
فَأَشَارَ بِيَدِهِ، أَيْ: صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى؛
فَعَلَى هَذَا فَيُحْمَلُ قَوْلُه "نَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ
صَلَّى" عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ لَفْظًا وَلَمْ يُجِبْهُ لَفْظًا،
وَإِنَّمَا اسْتَفَادَ مِنْهُ صَلَاةَ الرَّكْعَتَيْنِ بِإِشَارَتِهِ لَا
بِنُطْقِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى "وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ
كَمْ صَلَّى" فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ
هَلْ زَادَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ أَوْ لَا. وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ
الْمُتَأَخِّرِينَ: يُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ نَسِيَ
أَنْ يَسْأَلَ بِلَالًا ثُمَّ لَقِيَهُ مَرَّةً أُخْرَى فَسَأَلَهُ، فَفِيهِ
نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ
الْقِصَّةَ -وَهِيَ سُؤَالُ ابْنِ عُمَرَ عَنْ صَلَاتِهِ فِي الْكَعْبَةِ-
لَمْ تَتَعَدَّدْ؛ لِأَنَّهُ أَتَى فِي السُّؤَالِ بِالْفَاءِ الْمُعَقِّبَةِ فِي
الرِّوَايَتَيْنِ مَعًا، فَقَالَ فِي هَذِهِ فَأَقْبَلْتُ ثُمَّ قَالَ فَسَأَلْتُ
بِلَالًا، وَقَالَ فِي الْأُخْرَى فَبَدَرْتُ فَسَأَلْتُ بِلَالًا، فَدَلَّ عَلَى
أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ وَاحِدًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
ثَانِيهُمَا: أَنَّ رَاوِيَ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ "وَنَسِيتُ" هُوَ
نَافِعٌ مَوْلَاهُ وَيَبْعُدُ مَعَ طُولِ مُلَازَمَتِهِ لَهُ إِلَى وَقْتِ
مَوْتِهِ أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى حِكَايَةِ النِّسْيَانِ وَلَا يَتَعَرَّضَ
لِحِكَايَةِ الذِّكْرِ أَصْلًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ عِيَاضٌ أَنَّ قَوْلَهُ "رَكْعَتَيْنِ" غَلَطٌ
مِنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَدْ قَالَ
"نَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى" قَالَ: وَإِنَّمَا دَخَلَ
الْوَهْمُ عَلَيْهِ مِنْ ذِكْرِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدُ، فَهُوَ كَلَامٌ
مَرْدُودٌ، وَالْمُغَلِّطُ هُوَ الْغَالِطُ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ الرَّكْعَتَيْنِ
قَبْلُ وَبَعْدُ فَلَمْ يَهِمْ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ
يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ بِذَلِكَ حَتَّى يُغَلَّطَ ، فَقَدْ تَابَعَهُ أَبُو
نُعَيْمٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَالنَّسَائِيِ، وَأَبُو عَاصِمٍ عِنْدَ ابْنِ
خُزَيْمَةَ، وَعُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَعَبْدُ اللَّهِ
بْنُ نُمَيْرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ كُلُّهُمْ عَنْ سَيْفٍ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ
سَيْفٌ أَيْضًا فَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ خُصَيْفٌ عَنْ مُجَاهِدٍ عِنْدَ
أَحْمَدَ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَقَدْ تَابَعَهُ
عَلَيْهِ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ، وَعَمْرِو بْنِ
دِينَارٍ عِنْدَ أَحْمَدَ أَيْضًا بِاخْتِصَارٍ، وَمِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ
أَبِي طَلْحَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ، وَمِنْ
حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
بْنِ صَفْوَانَ قَالَ "فَلَمَّا خَرَجَ سَأَلْتُ مَنْ كَانَ مَعَهُ فَقَالُوا:
صَلَّى رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ السَّارِيَةِ الْوُسْطَى" أَخْرَجَهُ
الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَمِنْ حَدِيثِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ
قَالَ "لَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْعَمُودَيْنِ" أَخْرَجَهُ
الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، فَالْعَجَبُ مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَى
تَغْلِيطِ جَبَلٍ مِنْ جِبَالِ الْحِفْظِ بِقَوْلِ مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ وَجْهُ
الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ فَقَالَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَلَوْ سَكَتَ
لَسَلِمَ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
قَوْلُهُ: (فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ) أَيْ: مُوَاجِهُ بَابِ الْكَعْبَةِ، قَالَ
الْكِرْمَانِيُّ: الظَّاهِرُ مِنَ التَّرْجَمَةِ أَنَّهُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ
-أَيْ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ الْبَابِ- قُلْتُ: قَدَّمْنَا أَنَّهُ خِلَافُ
الْمَنْقُولِ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ، وَقَدَّمْنَا أَيْضًا مُنَاسَبَةَ
الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَهِيَ أَنَّ
اسْتِقْبَالَ الْمَقَامِ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ
فِي الْكَعْبَةِ، مَنْ صَلَّى فِيهَا فَقَدْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهَا خَلْفَهُ،
وَهَذَا هُوَ السِّرُّ أَيْضًا فِي إِيرَادِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا
الْبَابِ.
٣٩٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ
ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ البَيْتَ،
دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ، فَلَمَّا
خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ الكَعْبَةِ، وَقَالَ: «هَذِهِ القِبْلَةُ».
الشرح:
قوله: (حدثنا إسحاق بن نصر) كذا وقع منسوبًا في جميع الروايات
التي وقفت عليها، وبذلك جزم الإسماعيلي وأبو نعيم وأبو مسعود وغيرهم وذكر أبو
العباس الطرقي في "الأطراف" له أن البخاري أخرجه عن إسحاق غير منسوب
وأخرجه الإسماعيلي وأبو نعيم في "مستخرجيهما" من طريق إسحاق بن راهويه عن
عبد الرزاق شيخ إسحاق بن نصر فيه بإسناده هذا فجعله من رواية ابن عباس عن أسامة بن
زيد، وكذلك رواه مسلم من طريق محمد بن بكر عن ابن جريج وهو الأرجح، وسيأتي وجه
التوفيق بين رواية بلال المثبتة لصلاته ﷺ في
الكعبة، وبين هذه الرواية النافية في "كتاب الحج" إن شاء الله تعالى.
قوله: (في قبل الكعبة) بضم القاف والموحدة وقد تسكن، أي: مقابلها أو ما استقبلك
منها وهو وجهها وهذا موافق لرواية ابن عمر السالفة.
قوله: «هذه القبلة» الإشارة إلى الكعبة، قيل
المراد بذلك: تقرير حكم الانتقال عن بيت المقدس، وقيل المراد: أن حكم من شاهد
البيت وجوب مواجهة عينه جزمًا بخلاف الغائب، وقيل المراد: أن الذي أمرتم باستقباله
ليس هو الحرم كله ولا مكة ولا المسجد الذي حول الكعبة بل الكعبة نفسها أو الإشارة
إلى وجه الكعبة، أي: هذا موقف الإمام، ويؤيده ما رواه البزار من حديث عبد الله بن
حبشي الخثعمي قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي إلى باب
الكعبة وهو يقول "أيها الناس إن الباب قبلة البيت" وهو محمول على الندب
لقيام الإجماع على جواز استقبال البيت من جميع جهاته، والله أعلم.
الحمد لله رب العالمين
اللهُم ارحم مَوتانا مِن المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ جَنّات النَعيمْ
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال
