كتاب الأمور المنهي عنها: باب تحريم تصوير
الحيوان في بسَاطٍ أو حجر أو ثوب أو درهم أو مخدَّة أو دينار أو وسادة
شرح العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
شرح حديث/ من صور صورة في الدنيا
أحاديث
رياض الصالحين: باب تحريم تصوير الحيوان في بسَاطٍ أو حجر أو ثوب أو درهم أو مخدَّة
أو دينار أو وسادة وغير ذلك، وتحريم اتّخاذ الصور في حائطٍ وسقفٍ وسترٍ وعمامة
وثوب ونحوها، والأمر بإتلاف الصّورة.
١٦٩٠
- وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي اللَّه عنْهُمَا- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ
يَقُولُ: «مَنْ صَوَّرَ صُورةً فِي الدُّنْيَا
كُلِّفَ أنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ بِنَافخٍ»
متفقٌ عليه.
١٦٩١
- وعَن ابن مَسْعُودٍ -رضي اللَّه عنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ
يَقُولُ: «إنَّ أشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ
الْقِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ» متفقٌ عليه.
١٦٩٢
- وَعَنْ أبي هُرَيْرَة -رضي اللَّه عنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ
يَقُولُ: «قَالَ اللَّه تَعَالى: ومَنْ أظْلَمُ
مِمَّنْ ذهَب يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا
حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً» متفقٌ عليه.
الشيخ:
الحمد
لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أما
بعد:
فهذه
الأحاديث المتعلقة بالصور من جنس التي قبلها في بيان شدة الوعيد في التصوير، وأنه
من الكبائر العظيمة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «مَن صوَّر صورةً في الدنيا
كُلِّف أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة، وليس بنافخٍ» يعني: هو أعجز من أن ينفخ،
وقال ﷺ: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة
المصورون»، وقال عليه الصلاة والسلام: «يقول الله عزَّ وجلَّ: ومَن أظلم ممن ذهب
يخلق كخلقي» يعني: لا أحدَ أظلم منه، وهذا يُفيد الوعيد الشديد.
فالواجب على
المؤمن أن يحذر هذه الجريمة، وأن يُحذِّر منها إخوانه، وأن يُتْلِفَ ما وجد من
ذلك؛ لقوله ﷺ: «لا تدع صورةً إلا طمستها، ولا
قبرًا مُشرفًا إلا سوَّيته»، ولعموم قوله ﷺ:
«مَن رأى منكم منكرًا فليُغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه،
وذلك أضعف الإيمان»، وهذا يعمّ الصور التي لها ظِلٌّ -المجسَّدة- وهكذا الصور التي
لا ظلَّ لها، بل تكون في الثوب، والعمامة، وفي الكتاب، وفي الختم، وفي غير ذلك مما
تكون فيه تابعةً، فالأحاديث عامَّة.
ومن
ذلك ما تقدَّم في الصور التي في القِرام، وهي من جنس الصور التي تكون في القراطيس؛
لأن القرام الصورة فيه تابعة، كالصبغ، وهكذا ما يكون في البُسُط، وما يكون في
الوسائد، كله محرم، على أي وجهٍ كان: في وسادةٍ، أو بساطٍ، أو عمامةٍ، أو سراويل،
أو فانلَّةٍ، أو عمامةٍ، أو غير ذلك مما يتعاطاه الناس، كله لا يجوز، لكن متى وُجِدَتْ
فإن كانت في شيءٍ مُمتَهَنٍ سُمِحَ بامتهانها، والتصوير لا يجوز مطلقًا، لكن متى
وُجِدَتْ في بساطٍ أو وسادةٍ أو أرضٍ فلا بأس أن تُوطأ، ولا يضرّ وجودها، إنما
يضرّ كونها مُعلَّقةً، أو مرفوعةً في شيءٍ، أو منصوبةً في جدارٍ، أو في ثوبٍ
يلبسه، أو ما أشبه ذلك، أما ما يُمْتَهن فلا بأس، وهكذا التي تكون فيها الفواكه أو
الأدوية وتُطرح، هذه من جنس الممتهنات، من جنس الوسائد وأشباهها.
وإذا طُمِسَت
الصورةُ بقطع رأسها زال حكمها؛ لما ثبت من حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عَنْه-: إن
النبي ﷺ أمر بقطع رأس التمثال، وقال: إنه
يكون كهيئة الشجرة يعني: بعد قطع رأسه، وأمر بالقرام الذي فيه تصاوير أن تُتَّخذ
منه وسادتان ممتهنتان تُوطآن، فدلَّ على أن الشيء الذي يكون في بساطٍ ونحوه مما
يُوطأ لا يضرّ، وإن كان صاحبُه قد فعل محرَّمًا بالتصوير، لكن وجودها في البساط
ونحوه لا يُمْنَع؛ لأنها مُمتهنة تُوطأ ويُجلس عليها، بخلاف الصورة؛ لأنَّ أصلها
التعظيم، فقد صوَّرها المشركون لتعظيمها وعبادتها، هذا أصلها، كما فعل قومُ نوحٍ
لما مات جماعةٌ من صالحيهم يُدعون: ودًّا، وسواعًا، ويغوث، ويعوق، ونسرًا، فقد
زيَّن لهم الشيطانُ أن يُصوِّروا صورهم، وينصبوها في مجالسهم، ففعلوا، فلما طال
الأمدُ عُبِدَتْ من دون الله، وبعث الله نوحًا ليُنذرهم من هذا الشرك، ومكث فيهم
ألف سنةٍ إلا خمسين عامًا يُنذرهم من الشرك، فلم يستجيبوا ولم يقبلوا إلا قليل
منهم، فعذَّبهم الله بالغرق، إلا مَن كان مع نوح في السفينة.
وذهب
بعضُ أهل العلم إلى أنَّ الصورة في الثوب ونحوه لا تدخل في الوعيد، واحتجوا بحديث:
لا تدخل الملائكةُ بيتًا فيه صورة، ولا كلب، إلا رَقْمًا في ثوبٍ، قالوا: قوله إلا
رقمًا في ثوبٍ يقتضي أنه يجوز التصوير في الثوب، وهذا خلاف ما عليه الجمهور
والأئمة، فإن قوله إلا رقمًا في ثوبٍ يعني: إلا النقوش، فهي ما تُسمَّى صورةً،
فالرقوم والنقوش ليس لها حكم الصور، والأحاديث عامَّة، وقد أنكر النبيُّ ﷺ
الصورة التي في القِرام؛ فدلَّ على أنَّ الحكم عام يعمّ ما يكون في مجسَّدٍ أو ما
يكون في ثوبٍ ونحوه.
وفَّق
الله الجميع.
١٦٩٣ - وَعَنْ أبي طَلْحَةَ -رضي
اللَّه عنْهُ- أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
قَال: «لا تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ
كَلْبٌ وَلا صُورَةٌ» متفقٌ عليه.
١٦٩٤
- وعن ابن عُمرَ -رضي اللَّه عَنْهُمَا- قالَ: وَعَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
جِبْرِيلُ أَنْ يأتِيَهُ، فَرَاثَ عَليْهِ حتَّى اشْتَدَّ عَلى رَسُول اللَّه ﷺ،
فَخَرَجَ فَلَقِيهُ جبْرِيلُ، فَشَكَا إلَيْهِ، فقَالَ: إنَّا لا نَدْخُلُ بيْتًا
فيهِ كَلْبٌ وَلا صُورَةٌ. رواهُ البُخاري.
١٦٩٥
- وَعَنْ عَائِشَةَ -رضي اللَّه عَنْهَا- قَالَتْ: وَاعَدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ
جبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ في سَاعَةٍ أَنْ يأتِيَهُ، فَجَاءَتْ تِلْكَ
السَّاعةُ وَلَمْ يأتِهِ، قَالَتْ: وَكَانَ بيَدِهِ عَصًا، فَطَرَحَهَا مِنْ
يَدِهِ وَهُوَ يَقُولُ: «مَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلا رُسُلُهُ!»، ثُمَّ الْتَفَتَ، فَإذا جرْوُ
كَلْبٍ تحْتَ سَريره، فَقالَ: «مَتَى دَخَلَ هَذَا
الْكَلْبُ؟» فَقُلْتُ: وَاللَّه مَا دَرَيْتُ بِهِ، فَأمَرَ بِهِ
فَأُخْرِجَ، فَجَاءَهُ جبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَال رَسُولُ اللَّه ﷺ:
«وَعَدْتَني فَجَلَسْتُ لكَ ولَم تَأتِني!»
فقالَ: مَنَعني الْكلْبُ الَّذِي كَانَ في بيْتِكَ، إنَّا لا نَدْخُلُ بَيْتًا
فِيهِ كَلْبٌ وَلا صورَةٌ. رواه مسلم.
١٦٩٦
- وعَنْ أبي التيَّاح حَيَّانَ بنِ حُصَينٍ قَالَ: قال لي عَليُّ بن أبي طَالِبٍ
-رضي اللَّه عَنْه-: "ألا أبْعَثُكَ عَلى مَا بَعَثَني عَلَيْهِ رَسُولُ
اللَّه ﷺ؟ أنْ لا تَدَعَ صُورَةً إلَّا
طَمَسْتَهَا، وَلا قَبْرًا مُشْرِفًا إلَّا سَوَّيْتَهُ" رواه مسْلِمٌ.
الشيخ:
بسم
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله
وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما
بعد:
فهذه
الأحاديث كلها تدل على تحريم التصوير، كما تقدم في الأحاديث الصحيحة أن الرسول ﷺ
لعن المصورين، وقال: إنهم أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة، وفي هذه الأحاديث دلالة
على أنَّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة، وهذا يعم الصورة المجسَّدة والصورة غير
المجسَّدة، في ثوبٍ أو غيره، إذا كانت مرفوعةً، كالقِرام الذي يُستر به الباب،
وكالستر الذي على الجدران، فإن هذه تُمنع، وهكذا الكلب يمنع دخول الملائكة، أما
الصورة التي تُداس وتُمتهن فلا تمنع من دخول الملائكة؛ بدليل أنه ﷺ
في حديث عائشة لما رأى القِرام غضب وقال: إنَّ أصحاب هذه الصور يُعذَّبون يوم
القيامة، قالت: فاتَّخذنا منها وسادةً أو وسادتين يرتفق بهما النبيُّ ﷺ،
وفي حديث أبي هريرة لما سأل جبرائيل: ما منعك؟ قال: إنَّ في البيت تمثالًا وكلبًا
وسترًا فيه تصاوير، فأمر برأس التمثال أن يُقطع حتى يكون كهيئة الشجرة، وأمر
بالستر أن تُتَّخذ منه وسادتان تُوطآن مُنتبذتان، وأمر بالكلب أن يُخرج، فأمر
الرسول ﷺ بالكلب فأُخرج، وأمر بقطع رأس
التمثال، وتقطيع القِرام وسادةً تُمتهن وتُوطأ، فدخل جبرائيل.
وكان
جرو الكلب قد أدخله الحسن بن عَليُّ أو الحسين رضي الله عنهما، وكانا صغيرين قبل
التمييز، ومن عادة الصبيان الصغار اللّعب بالكلاب الصّغار.
وهذه
الأحاديث كلها تدل على أنَّ الواجب عدم تعليق الصور، وأنها تمنع دخول الملائكة،
وأنه يجب طمسها، ولهذا جاء في حديث عليٍّ: "لا تدع صورةً إلا طمستها، ولا
قبرًا مُشْرِفًا إلا سوَّيته"، فلا يجوز اتّخاذها على الجدران أو على
الأبواب، بل تجب إزالتها، أما إذا كانت تُمتهن في الأرض وتُداس في الأرض كالبُسُط
والوسائد فلا تمنع، ولكن لا يجوز التصوير مطلقًا، حتى ولو في البساط لا يجوز، لكن
إذا كانت الصورةُ موجودةً فيما يُداس أو في وسادةٍ فلا تمنع؛ بدليل حديث أبي هريرة
وحديث عائشة رضي الله عنهما.
والكلب
يجوز اقتناؤه للصيد والزرع والماشية، وإذا جاز لم يمنع من دخول الملائكة، فهو كلبٌ
مأذونٌ فيه، إنما يمنع غير المأذون فيه، ولهذا فإنَّ الصورة المأذون فيها التي
تُداس لا تمنع، إنما يمنع دخول الملائكة الشيء الممنوع من الكلب والصورة.
وفَّق
الله الجميع.
الحمد
لله رب العالمين
اللهُم ارحم
مَوتانا مِن المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ جَنّات النَعيمْ
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال
