فتح الباري لابن حجر شرح صحيح البخاري
باب
اعتكاف المستحاضة
فتح الباري شرح صحيح البخاري: كِتَابُ
الحَيْض بَابُ اعْتِكَافِ المُسْتَحَاضَةِ.
٣٠٩
- حَدَّثَنَا
إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ
عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ
اعْتَكَفَ مَعَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَرَى الدَّمَ،
فَرُبَّمَا وَضَعَتِ الطَّسْتَ تَحْتَهَا مِنَ الدَّمِ، وَزَعَمَ أَنَّ عَائِشَةَ
رَأَتْ مَاءَ العُصْفُرِ، فَقَالَتْ: كَأَنَّ هَذَا شَيْءٌ كَانَتْ فُلاَنَةُ
تَجِدُهُ.
٣١٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ
عَائِشَةَ، قَالَتْ: اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةٌ مِنْ
أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الدَّمَ وَالصُّفْرَةَ وَالطَّسْتُ تَحْتَهَا وَهِيَ
تُصَلِّي.
٣١١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ
بَعْضَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ اعْتَكَفَتْ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ.
الشرح:
قوله: (باب اعتكاف المستحاضة) أي: جوازه.
قوله: (حدثنا خالد بن عبد الله) هو
الطحان الواسطي وشيخه (خالد) هو ابن مهران الذي يقال له الحذاء بالحاء المهملة
والذال المعجمة المثقلة ومدار الحديث المذكور عليه و (عكرمة) هو مولى ابن عباس.
قوله: (بعض نسائه) قال ابن الجوزي: ما
عرفنا من أزواج النبي ﷺ
من كانت مستحاضةً قال والظاهر أن عائشة أشارت بقولها "من نسائه" أي: من
النساء المتعلقات به وهي أم حبيبة بنت جحش أخت زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ.
قلت: يرد هذا التأويل قوله في الرواية
الثانية "امرأة من أزواجه" وهذه قد ذكرها الحميدي عقب الرواية الأولى
فما أدري كيف غفل عنها ابن الجوزي وفي الرواية الثالثة "بعض أمهات
المؤمنين" ومن المستبعد أن تعتكف معه ﷺ امرأة غير زوجاته وإن
كان لها به تعلق، وقد حكى ابن عبد البر أن بنات جحش الثلاث كن مستحاضات زينب أم
المؤمنين، وحمنة زوج طلحة، وأم حبيبة زوج عبد الرحمن بن عوف، وهي المشهورة منهن
بذلك وسيأتي حديثها في ذلك، وذكر أبو داود من طريق سليمان بن كثير عن الزهري عن
عروة عن عائشة استحيضت زينب بنت جحش فقال لها النبي ﷺ "اغتسلي لكل
صلاة" وكذا وقع في الموطأ أن زينب بنت جحش استحيضت وجزم ابن عبد البر بأنه
خطأ؛ لأنه ذكر أنها كانت تحت عبد الرحمن بن عوف والتي كانت تحت عبد الرحمن إنما هي
أم حبيبة أختها، وقال شيخنا الإمام البلقيني يحمل على أن زينب بنت جحش استحيضت وقتًا
بخلاف أختها فإن استحاضتها دامت.
قلت: وكذا يحمل ما سأذكره في حق سودة وأم
سلمة، والله أعلم.
وقرأت بخط مغلطاي في عد المستحاضات في
زمن النبي ﷺ،
قال وسودة بنت زمعة ذكرها العلاء بن المسيب عن الحكم عن أبي جعفر محمد بن عليّ بن
الحسين فلعلها هي المذكورة.
قلت: وهو حديث ذكره أبو داود من هذا
الوجه تعليقًا وذكر البيهقي أن ابن خزيمة أخرجه موصولًا.
قلت: لكنه مرسل؛ لأن أبا جعفر تابعي ولم
يذكر من حدثه به.
وقرأت في السنن لسعيد بن منصور حدثنا
إسماعيل بن إبراهيم حدثنا خالد هو الحذاء عن عكرمة أن امرأةً من أزواج النبي ﷺ كانت معتكفةً وهي
مستحاضة، قال وحدثنا به خالد مرةً أخرى عن عكرمة أن أم سلمة كانت عاكفةً وهي
مستحاضة وربما جعلت الطست تحتها.
قلت: وهذا أولى ما فسرت به هذه المرأة
لاتحاد المخرج وقد أرسله إسماعيل ابن علية عن عكرمة ووصله خالد الطحان ويزيد بن
زريع وغيرهما بذكر عائشة فيه، ورجح البخاري الموصول فأخرجه وقد أخرج ابن أبي شيبة
عن إسماعيل ابن علية هذا الحديث كما أخرجه سعيد بن منصور بدون تسمية أم سلمة،
والله أعلم.
قوله: (من الدم) أي: لأجل الدم.
قوله: (وزعم) هو معطوف على معنى العنعنة
أي: حدثني عكرمة بكذا وزعم كذا وأبعد من زعم أنه معلق.
قوله: (كأن) بالهمز وتشديد النون.
قوله: (فلانة) الظاهر أنها تعني المرأة
التي ذكرتها قبل ورأيت على حاشية نسخة صحيحة من أصل أبي ذر الهروي في الصحيح ما
نصه فلانة هي رملة أم حبيبة بنت أبي سفيان فإن كان ثابتًا فهو قول ثالث في تفسير
المبهمة.
وعلى ما زعم ابن الجوزي من أن المستحاضة
ليست من أزواجه فقد روي أن زينب بنت أم سلمة استحيضت روى ذلك البيهقي والإسماعيلي
في جمعه حديث يحيى بن أبي كثير لكن الحديث في سنن أبي داود من حكاية زينب عن غيرها
وهو أشبه فإنها كانت في زمنه ﷺ
صغيرةً؛ لأنه دخل على أمها في السنة الثالثة وزينب ترضع وأسماء بنت عميس حكاه
الدارقطني من رواية سهيل بن أبي صالح عن الزهري عن عروة عنها.
قلت: وهو عند أبي داود على التردد هل هو
عن أسماء أو فاطمة بنت أبي حبيش وهاتان لهما به ﷺ تعلق؛ لأن زينب ربيبته
وأسماء أخت امرأته ميمونة لأمها وكذا لحمنة وأم حبيبة به تعلق وحديثهما في سنن أبي
داود فهؤلاء سبع يمكن أن تفسر المبهمة بإحداهن.
وأما من استحيض في عهده ﷺ من الصحابيات غيرهن
فسهلة بنت سهيل ذكرها أبو داود أيضًا، وأسماء بنت مرشد ذكرها البيهقي وغيره،
وبادية بنت غيلان ذكرها ابن منده، وفاطمة بنت أبي حبيش وقصتها عن عائشة في
الصحيحين، ووقع في أبي داود عن فاطمة بنت قيس فظن بعضهم أنها القرشية الفهرية
والصواب أنها بنت أبي حبيش واسم أبي حبيش قيس. فهؤلاء أربع نسوة أيضًا وقد كملن
عشرًا بحذف زينب بنت أبي سلمة.
وفي الحديث جواز مكث المستحاضة في
المسجد، وصحة اعتكافها، وصلاتها، وجواز حدثها في المسجد عند أمن التلويث ويلتحق
بها دائم الحدث، ومن به جرح يسيل.
الحمد
لله رب العالمين
اللهُم ارحم مَوتانا مِن
المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ جَنّات النَعيمْ
تقبل الله منا ومنكم صالح
الأعمال
