فتح الباري لابن حجر شرح صحيح البخاري
كتاب الحيض
فتح الباري شرح صحيح البخاري: كِتَابُ
الحَيْض.
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ
أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ} [البقرة: ٢٢٢] إِلَى قَوْلِهِ: {وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: ٢٢٢].
بَابُ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الحَيْضِ، وَقَوْلُ
النَّبِيِّ ﷺ: «هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ
اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ».
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ أَوَّلُ مَا
أُرْسِلَ الْحَيْضُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، قال أبو عبد الله وَحَدِيثُ
النَّبِيِّ ﷺ أَكْثَر.
الشرح:
قوله: (بسم الله الرحمن الرحيم - كتاب
الحيض) أصله السيلان، وفي العرف جريان دم المرأة من موضع مخصوص في أوقات معلومة.
قوله: (وقول الله تعالى) بالجر عطفا على
الحيض، والمحيض عند الجمهور هو الحيض، وقيل زمانه، وقيل مكانه.
قوله: (أذى) قال الطيبي: سمي الحيض أذى
لنتنه وقذره ونجاسته. وقال الخطابي: الأذى المكروه الذي ليس بشديد، كما قال تعالى:
{لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} [آل عمران: ١١١]،
فالمعنى أن المحيض أذى يعتزل من المرأة موضعه ولا يتعدى ذلك إلى بقية بدنها.
قوله: {فَاعْتَزِلُوا
النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: ٢٢٢] روى مسلم وأبو داود من حديث أنس
أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة أخرجوها من البيت، فسئل النبي ﷺ عن ذلك فنزلت الآية
فقال: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" فأنكرت اليهود ذلك، فجاء أسيد بن حضير
وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله ألا نجامعهن في الحيض؟ يعني خلافا لليهود، فلم
يأذن في ذلك.
وروى الطبري عن السدي أن الذي سأل أولا
عن ذلك هو ثابت بن الدحداح.
قوله: (باب كيف كان بدء الحيض) أي: ابتداؤه، وفي إعراب
"باب" الأوجه المتقدمة أول الكتاب.
قوله: (وقول النبي ﷺ: «هذا شيء») يشير إلى
حديث عائشة المذكور عقبه، لكن بلفظ "هذا أمر" وقد وصله بلفظ
"شيء" من طريق أخرى بعد خمسة أبواب أو ستة، والإشارة بقوله
"هذا" إلى الحيض.
قوله: (وقال بعضهم: كان أول) بالرفع؛
لأنه اسم كان والخبر "على بني إسرائيل" أي: على نساء بني إسرائيل، وكأنه
يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق عن ابن مسعود بإسناد صحيح قال: كان الرجال والنساء
في بني إسرائيل يصلون جميعا، فكانت المرأة تتشرف للرجل، فألقى الله عليهن الحيض
ومنعهن المساجد، وعنده عن عائشة نحوه.
قوله: (وحديث النبي ﷺ أكثر) قيل معناه أشمل؛
لأنه عام في جميع بنات آدم، فيتناول الإسرائيليات ومن قبلهن، أو المراد أكثر شواهد
أو أكثر قوة، وقال الداودي:
ليس بينهما مخالفة فإن نساء بني إسرائيل من بنات آدم، فعلى هذا فقوله بنات آدم عام
أريد به الخصوص. قلت: ويمكن أن يجمع بينهما مع القول بالتعميم بأن الذي أرسل على
نساء بني إسرائيل طول مكثه بهن عقوبة لهن لا ابتداء وجوده.
وقد روى الطبري وغيره عن ابن عباس وغيره
أن قوله تعالى في قصة إبراهيم: {وَامْرَأَتُهُ
قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ} [هود: ٧١] أي: حاضت. والقصة متقدمة على بني إسرائيل
بلا ريب، وروى الحاكم وابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس "أن ابتداء الحيض
كان على حواء بعد أن أهبطت من الجنة"، وإذا كان كذلك فبنات آدم بناتها، والله
أعلم.
الحمد لله رب العالمين
اللهُم ارحم مَوتانا مِن المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ جَنّات النَعيمْ
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال
