باب
القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة
شرح العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
شرح
حديث/ ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان
أحاديث
رياض الصالحين: باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم
السؤال من غير ضرورة
٥٤٠
- وعَنْ ثَوْبانَ -رضيَ اللَّه عنه- قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ: «مَنْ تَكَفَّلَ لي أَن لا يسْأَلَ النَّاسَ شَيْئاً،
وَأَتَكَفَّلُ له بالجَنَّة؟» فقلتُ: أَنا، فَكَانَ لاَ يسْأَلُ أَحَداً
شَيْئاً، رواه أبو داود بإِسنادٍ صحيح.
٥٤١ - وعن أبي بِشْرٍ قَبِيصَةَ بن المُخَارِقِ -رضي اللَّه عنه-
قال: تَحمَّلْت حمَالَةً فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ أَسْأَلُهُ فيها،
فقال: «أَقِمْ حَتَّى تَأْتِينَا الصَّدَقَةُ
فَنأْمُرَ لكَ بِها» ثُمَّ قال: «ياَ
قَبِيصَةُ إِنَّ المَسأَلَةَ لا تَحِلُّ إِلاَّ لأَحَدِ ثَلاثَةٍ: رَجُلٌ
تَحَمَّلَ حمالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصيبَها، ثُمَّ يُمْسِكُ.
ورجُلٌ أَصابَتْهُ جائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مالَهُ، فَحَلَّتْ لهُ المَسأَلَةُ حَتَّى
يُصِيبَ قِوَاماً مِنْ عيْشٍ، أَوْ قال: سِداداً مِنْ عَيْشٍ، ورَجُلٌ أَصابَتْهُ
فاقَة، حَتى يقُولَ ثلاثَةٌ مِنْ ذَوي الحِجَى مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ
فُلاناً فَاقَةٌ، فحلَّتْ لَهُ المسْأَلةُ حتَّى يُصِيبَ قِواماً مِنْ عَيْشٍ،
أَوْ قالَ: سِداداً مِنْ عَيْشٍ. فَمَا سِواهُنَّ مِنَ المَسأَلَةِ يا قَبِيصَةُ
سُحْتٌ، يأَكُلُها صاحِبُها سُحْتاً» رواهُ مسلم.
«الحمالَةُ» بفتح الحاءِ: أَنْ يَقَعَ قِتَالٌ وَنحوُهُ بَين
فَرِيقَينِ، فَيُصلحُ إِنْسَانٌ بيْنهمْ عَلى مالٍ يَتَحَمَّلُهُ ويلْتَزِمُهُ
عَلى نفسه. و «الجائِحَةُ»: الآفَةُ تُصِيبُ مالَ الإِنْسانِ. و «القَوامُ» بكسر
القاف وفتحها: هوَ ما يقومُ بِهِ أَمْرُ الإِنْسانِ مِنْ مَالٍ ونحوِهِ و
«السِّدادُ» بكسر السين: مَا يَسُدُّ حاجةَ المُعْوِزِ ويَكْفِيهِ، و «الفَاقَةُ»:
الفَقْرُ. و «الحِجَى»: العقلُ.
٥٤١ - وعن أبي هريرة -رضيَ اللَّه عنه- أَنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: «لَيْسِ المِسْكِينُ الَّذِي يطُوفُ عَلى النَّاسِ تَرُدُّهُ
اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتانِ، وَالتَّمْرَةُ والتَّمْرتَانِ، وَلَكِنَّ المِسْكِينَ
الَّذِي لا يجِدُ غِنًى يُغنِيهِ، وَلاَ يُفْطَنُ لَهُ، فَيُتَصدَّقَ عَلَيْهِ،
وَلاَ يَقُومُ فَيسْأَلَ النَّاسَ» متفقٌ عليه.
الشيخ:
بسم
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه
ومن اهتدى بهداه.
أما
بعد:
فهذه الأحاديث الثلاثة فيها الحثّ على
العفاف والقناعة والحرص على عدم سؤال الناس، وأن الإنسان يجتهد في أن يقوم بنفسه،
ويتعاطى بعض الأسباب التي تُغنيه عن الناس، ولهذا يقول ﷺ: «مَن يتكفَّل لي
ألَّا يسأل الناسَ شيئًا وأتكفَّل له الجنة؟» فقال ثوبان: أنا، وتقدَّم أنه بايع
جماعةً من الصحابة -رضي الله عنهم- على أنهم لا يسألون الناسَ شيئًا، حتى كان
بعضُهم يسقط سوطُه فلا يقول لأحدٍ: ناولنيه، بل ينزل عن دابَّته ويأخذ السَّوط،
وهذا يُفيدنا قبح المسألة، وأنها لا تليق بالمؤمن، وأن المؤمن ينبغي له أن يبتعد
عنها ما أمكن، إلا للضَّرورة.
وهكذا حديث قبيصة لما جاء يسأل في حمالةٍ
تحمَّلها، قال: أقم حتى تأتينا الصدقةُ فنأمر لك بها، ثم قال: يا قبيصة، إنَّ
المسألة لا تحلّ إلا لأحد ثلاثةٍ: رجل تحمَّل حمالةً دَيْنًا للإصلاح بين الناس أو
لحاجته فحلَّت له المسألةُ حتى يُصيبها، ثم يُمسك، ورجل أصابته جائحةٌ اجتاحت ماله
اجتاحت زرعه، أو غِراسه ، أو دوابَّه فحلَّت له المسألةُ حتى يُصيب قِوَامًا من
عيشٍ -أو قال: سِدَادًا من عيشٍ- ورجل ثالث: أصابته فاقةٌ كان غنيًّا ثم أصابته
فاقة، فشهد له ثلاثةٌ من ذوي الحِجَى من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقةٌ، فحلَّت له
المسألةُ حتى يُصيب قوامًا من عيشٍ، وما سواهنَّ يا قبيصة سُحْتٌ، يأكله صاحبُه
سحتًا.
فهذا فيه حثٌّ على العفاف والقناعة
والبُعد عن المسألة، وذلك هو اللائق بالمؤمن، ألا يسأل الناسَ شيئًا، وأن يجتهد في
التَّعفف بما يسَّر الله له من الشيء اليسير، كما قال عليه الصلاة والسلام: «احرص
على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجزنَّ، وإن أصابك شيءٌ فلا تقل: لو أني فعلتُ
لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإنَّ "لو" تفتح عمل
الشيطان» أخرجه مسلم في "الصحيح"، وسُئل: أيّ الكسب أطيب؟ فقال عليه
الصلاة والسلام: «عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور» أخرجه البزار وغيره بإسنادٍ
صحيحٍ عن رفاعة بن رافع.
وفي هذا يقول ﷺ: «ليس المسكينُ الذي
تردّه اللُّقمة واللُّقمتان، والتَّمرة والتَّمرتان»، يعني: يطوف على الناس، فهذا
يُعطيه تمرةً، وهذا يُعطيه لقمةً، «ولكن المسكين الذي لا يجد غنًى يُغنيه، ولا
يقوم فيسأل الناس»، هذا هو المسكين، المتعفف الذي لا يسأل الناس، ولا يتعرّض
للناس، هو الجدير بأن يُواسَى ويُحْسَن إليه وتُعْرَف حاله، لا يقوم فيسأل الناس،
ولا يطوف على الناس، ولا يجد ما يسدّ حاجته، فهو مُتعفّف، يستحي أن يذهب للناس،
فمثل هذا جديرٌ بأن يُعْتَنى به، ويُحْسَن إليه من الزكاة وغيرها.
وكل
الأحاديث السَّابقة تدور على أن المؤمن يحرص جدًّا على ألا يسأل الناس، إلا إذا
اضطُرَّ.
رزق
الله الجميع التَّوفيق والهداية.
الحمد لله رب العالمين
اللهُم ارحم مَوتانا مِن المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ
جَنّات النَعيمْ
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال
