أحاديث رياض الصالحين: باب التعاون عَلَى
البر والتقوى.
قَالَ الله تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة:
٢].
وَقالَ تَعَالَى: {وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي
خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا
بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: ١-٣].
قَالَ الإمام الشافعي رَحِمَهُ الله،
كلامًا معناه: "إنَّ الناس أو أكثرهم في غفلةٍ عن تدبُّر هذه السورة".
الشيخ:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله،
وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الآيات تتعلق بالتعاون على البر
والتقوى، فالله سبحانه شرع لعباده وأوجب عليهم التعاون على البر والتقوى، والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، والتواصي بالحق والصبر عليه، وبيَّن أنَّ ذلك من أسباب
الربح والسعادة، والنجاة من الخسران، والفوز بالجنات، قال جَلَّ وَعَلاَ: {وَتَعَاوَنُوا
عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:
٢]، وقال سبحانه: {وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي
خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: ١-٣]، وقال
جَلَّ وَعَلاَ: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة:
٧١]، وقال جَلَّ وَعَلاَ: {وَمَنْ أَحْسَنُ
قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ
الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: ٣٣].
فالواجب على المؤمنين التعاون على البر
والتقوى، والتواصي بالحق، والتناصح، حتى ينتشر الخير، ويقل الشر، ويتعلم الجاهل،
ويتذكر الناسي.
قال الشافعي رحمه الله، وهو أبو عبد الله
محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله، المتوفى سنة ٢٠٤هـ أحد الأئمة الأربعة
المشهورين: "لو تدبَّر الناسُ هذه السورة -سورة العصر- لكفتهم"؛ لما
فيها من الأشياء الجامعة، فهي سورة جامعة، مع اختصارها، تدل على أنَّ مَن تجمعت
فيه هذه الخصال الأربعة فهو رابح، سعيد، ومَن حاد عنها فهو خاسر، ومَن فاته بعضُ
ما فيها ناله من الخسران بقدر ذلك.
وقد أقسم الله على هذا -وهو الصادق وإن
لم يُقسم- أن الإنسان في خسران، والله سبحانه له أن يُقسم من خلقه بما يشاء، كما
أقسم بالذاريات، والعصر، والليل إذا يغشى، والطور، وغير ذلك؛ لأنها مخلوقات
تدل على عظمته، وأنه ربّ العالمين، وأنه الخلَّاق العليم، أما العبد فليس له أن
يحلف إلا بالله، الإنسان ليس له أن يحلف إلا بربه، كما قال النبي ﷺ: «من كان حالفًا
فليحلِفْ باللهِ أو ليصمُتْ» [١]، وقال النبي ﷺ:
«منْ حلفَ بغيرِ اللهِ فقدْ أشركَ» [٢]،
فالمسلم ليس له أن يحلف إلا بالله -عزَّ وجلَّ.
وفي هذه السورة العظيمة التي أقسم الربُّ
جَلَّ وَعَلاَ، بالعصر عليها: دلالة على أنَّ من أسباب السعادة: الإيمان
الصادق بالله ورسوله، مع العمل الصالح، مع التواصي بالحق، والتواصي بالصبر، هذه
الخصال الأربع هي أسباب السعادة في الدنيا والآخرة.
فلا بدّ من الإيمان بالله ورسوله،
والإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله، ولا بدّ من العمل بعد ذلك لأداء فرائض الله،
وترك محارم الله.
وأمرٌ ثالثٌ: وهو التَّواصي بهذا
والتناصح.
وأمرٌ رابع: وهو الصبر على ذلك، وبهذا
يسلم من الخسران.
ومَن فاته شيءٌ منها ناله من الخسران
بقدر ذلك.
وفق الله الجميع.
[١] ابن تيمية في "المستدرك"
(٢٨/١).
[٢] أخرجه السيوطي في "الجامع
الصغير" (٨٦٢٣)، أبو داود (٣٢٥١)، وأحمد (٦٠٧٣)، الترمذي (١٥٣٥) باختلاف
يسير.
الْحمْد
لِلَّه ربِّ الْعالمين
اللَّهمَّ اِرْحم مَوْتَانا
مِن المسْلمين واجْمعْنَا بِهم فِي جَنَّات النَّعِيم
تَقبَل اَللَّه مِنَّا
ومنْكم صَالِح الأعْمال
