باب
المجاهدة
شرح
العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
أحاديث رياض الصالحين: باب المجاهدة.
١١٢- عن أبي مسعود عُقْبَةَ بن عمروٍ
الأنصاريِّ البدريِّ رضي الله عنه، قَالَ: لمَّا نَزَلَتْ آيةُ الصَّدقَةِ كُنَّا
نُحَامِلُ عَلَى ظُهُورِنا. فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ،
فَقَالُوا: مُراءٍ، وجاءَ رَجُلٌ آخَرُ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ فقالُوا: إنَّ اللَّه
لَغَنِيٌّ عَنْ صاعِ هَذَا، فَنَزَلَتْ: {الَّذِينَ
يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ
لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ} [التوبة:
٧٩] متفقٌ عليه. وهذا لفظ البخاري [١].
(نُحَامِلُ) بضم النون، وبالحاء المهملة،
أي: يحمل أحدنا على ظهره بالأجرة، ويتصدق بها.
الشيخ:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلّى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن
اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذا الحديث يتعلق بالمجاهدة أيضاً في
أعمال الخير وعدم التكاسل والضعف، ينبغي للمؤمن دائمًا أن يجاهد نفسه في أعمال
الخير وأن يتحمل في ذلك ما لا مشقة فيه لينافس في الخيرات ويسارع إلى الطاعات من
غير رياء ولا سمعة بل عن إخلاص وصدق ورغبة فيما عند الله هكذا المؤمن كما قال
تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا
لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:
٦٩]، وقال جَلَّ وَعَلَا: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ
الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل:
١٢٨]، يقول أبو مسعود رضي الله عنه، لما أمر الله بالصدقة وحث عليها النبي ﷺ كان الرجل يحامل يعني: يذهب إلى السوق ويحمل على
ظهره الكيس أو الكيسين أو الباب أو الخشب بأجره حتى يتصدق، كانوا يحاملون على
ظهورهم حتى يتصدقوا لأنهم ما عندهم مال، يعمل يحمل لهذا متاع لهذا باب لهذا خشب
لهذا كيس طعام لهذا كذا ويعطوه أجرة، هذه الأجرة يتصدق منها فجاء رجل بمال كثير
فتصدق، فقال المنافقون: مرائي، ثم جاء إنسان بقليل صاع فقالوا: إن الله غني عن
صدقة هذا، يعني: الصاع ماله قيمة فأنزل الله في هذا قوله تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ
فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} الآية [التوبة: ٧٩]
توعدهم بالعذاب، فالمصدق وإن تصدق بشق تمرة ما يسخر منه ولا يقال هذا قليل، المهم
الصدقة والإخلاص والصدق، يقول النبي ﷺ في
الحديث الصحيح: «ما منكم من أحدٍ إلا سيُكلِّمُه
اللهُ يومَ القيامةِ، ليس بينه وبينه تُرجُمانٌ» واسطة
يعني «فينظرُ أيْمنَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم،
وينظرُ أشأَمَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظرُ بين يدَيه فلا يرى إلا النَّارَ
تِلقاءَ وجهِه، فاتَّقوا النَّارَ ولو بشِقِّ تمرةٍ، ولو بكلمةٍ طيِّبةٍ»
[٢] الشيخان البخاري ومسلم في الصحيحين، شق تمرة فإن كان ما حصل شيئًا يقول: أغناك
الله، يسر الله أمرك، وما أشبه ذلك من الكلام الطيب.
وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها،
قالت: جاءت امرأة تشحذ ومعها ابنتان فلم أجد في البيت إلا ثلاثة تمرات فدفعتها
إليها، فدفعت إلى كل بنت من بناتها تمرة ورفعت الثالثة لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها
التمرة الثالثة فشقتها بينهما نصفين ولم تأكل شيئًا، قالت: فأعجبني شأنها، فلما
جاء النبي ﷺ أخبرته بما صنعت المرأة، قال: «إنَّ اللَّهَ قدْ أَوْجَبَ لَهَا بهَا الجَنَّةَ» [٣] يعني بهذه
الرحمة شقت التمرة بينهما ولم تأكل شيئًا أعطتهم أولاً تمرة تمرة ثم رفعت الثالثة
لتأكلها استطعمتها ابنتاها التمرة الثالثة شقتها بينهما. والمقصود من هذا أن
الإنسان يتصدق ولا يحقر الصدقة ولو بالقليل درهم درهمين ثلاثة، تمرة تمرتين على
حسب حال الفقير، الفقير كل شيء ينفعه ولو قليل، فإذا أعطاه زيد تمرة والآخر تمرة
والثالث تمرة والرابع تمرة تجمعت وصارت خيرًا كثيرًا، وإذا أعطاه هذا درهم وهذا
درهم وهذا درهمين وهذا ثلاثة تجمعت ونفعته، المصيبة عدم العطاء عدم الجود عدم
الصدقة هذه هي المصيبة.
[١] صحيح مسلم: (٢٥٧٧).
[٢] أخرجه البخاري: (٧٤٤٣)، ومسلم:
(١٠١٦) باختلاف يسير.
[٣] صحيح مسلم: (٢٦٣٠).
الْحمْد لِلَّه ربِّ الْعالمين
اللَّهمَّ اِرْحم مَوْتَانا مِن المسْلمين واجْمعْنَا
بِهم فِي جَنَّات النَّعِيم
تَقبَل اَللَّه مِنَّا ومنْكم صَالِح الأعْمال
