شرح حديث/ الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة

شرح حديث/ الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة
المؤلف احمد خليل
تاريخ النشر
آخر تحديث

باب بيان كثرة طرق الخير

شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله

شرح - حديث - الصلوات - الخمس - والجمعة - إلى - الجمعة
شرح حديث/ الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة
أحاديث رياض الصالحين: باب بيان كثرة طرق الخير.

١٣٢- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عن رَسُولَ اللّهِ  قال: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ لمَا بَيْنَهُنَّ، إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ». رواه مسلم [١].

١٣٣- وعن أَبي هريرةَ رضي الله عنه، أَنَّ رسولَ اللَّهِ قالَ: «أَلا أَدُلُّكُمْ عَلى مَا يمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا: بَلى يَا رسولَ اللَّهِ. قَالَ: «إِسْباغُ الْوُضُوءِ عَلى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إِلى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بعْد الصَّلاةِ، فَذلِكُمُ الرِّباطُ، فَذلكُمُ الرِّباطُ» رواه مسلم [٢].

 

الشرح:

قَالَ الْمُؤَلِّفُ -رحِمَه اللهَ تعَالَى- فِيمَا نَقَلَهُ أُبِيَ هُرَيْرَةٌ رَضِيَ اللهُ عَنْه، أَنَّ النَّبِيَّ قَالً: «الصَّلَوَاتُ الْخمسَ، وَالْجمعةُ إِلَى الْجمعةِ، وَرَمَضانُ إِلَى رَمَضانِ مكفرات لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اُجْتُنِبَتْ الْكبائرُ»، يَعْنِي: أَنَّ الصَّلَوَاتَ الْخُمُسُ تُكَفِّرُ الْخَطَايا مَا بَيْنَ صَلاَةِ الْفَجْرِ إِلَى الظُّهْر، وَمِنْ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ، وَمِنْ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَمِنْ الْمَغْرِبِ إِلَى الْعَشَاءِ، وَمِنْ الْعَشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ، هَذِهِ تُكَفِّرُ مَا بَيْنَهَا مِنَ الْخَطَايا. فَإِذَا عَمَلِ الْإِنْسانِ سَيِّئَةُ وَأُتْقِنُ هَذِهِ الصَّلَوَاتَ الْخمسَ، فَإِنَّهَا تَمْحُوَ الْخَطَايا، لَكِنَّ قَالً: «إِذَا اُجْتُنِبَتْ الْكبائرُ»، يَعْنِي: إِذَا اُجْتُنِبْتِ كبائرَ الذُّنُوبِ.

وَكبائرُ الذُّنُوبِ هِي: كُلُّ ذَنْبِ رتَبٍ عَلَيه الشَّارِعُ عُقُوبَةُ خَاصَّةٍ، فَكُلُّ ذَنْبٍ لَعَنَ النَّبِيُّ فَاعِلَهُ فَهُوَ مِنْ كبائرِ الذُّنُوبِ، كُلُّ شَيْءٍ فِيه حَدٌّ فِي الدُّنْيا كَالْزِّنى، أَوْ وَعِيدً فِي الْآخِرَةِ كَأَكْلِ الرِّبَا، أَوْ فِيه نَفْي إيمَانٍ، مِثْلٌ: «لا يُؤْمِنُ أحدُكُم حتى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبُّ لنفسِهِ» [٣]، أَوْ فِيه بَراءةٌ مِنْه، مثل: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» [٤]، أَوْ مَا أشْبَهَ ذَلِكً فَهُوَ مِنْ كبائرِ الذُّنُوبِ.

 

وَاِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ رحمهمْ اللهِ، فِي قَوْلُهُ : «إِذَا اُجْتُنِبَتْ الْكبائرُ» هَلْ مَعْنِيُّ الْحَديثِ أَنَّ الصَّغَائِرَ تُكَفِّرُ إِذَا اُجْتُنِبَتْ الْكبائرُ، وَأَنَّهَا لَا تُكَفِّرْ إلّا بِشَرْطَيْنٍ هُمَا: الصَّلَوَاتُ الْخمسَ، وَاجْتِنَابُ الْكبائرِ؟ أَوْ أَنَّ مَعْنَى الْحَديثِ أَنَّهَا كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إلّا الْكبائرَ فَلَا تُكَفِّرْهَا، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ لِتَكْفيرِ السَّيِّئَاتِ الصَّغَائِرَ شَرْطُ وَاحِدٍ، وَهُوَ إقامَةٌ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخمسَ، أَوْ الْجمعةُ إِلَى الْجمعةِ، أَوْ رَمَضانُ إِلَى رَمَضانِ، وَهَذَا هُوَ المتبادر. وَاللهُ أَعْلَمُ. أَنَّ الْمُعَنّى: أَنَّ الصَّلَوَاتَ الْخمس تُكَفِّرُ مَا بَيْنَهَا إلّا الْكبائرَ فَلَا تُكَفِّرْهَا، وَكَذَلِكَ الْجمعةُ إِلَى الْجمعةِ، وَكَذَلِكَ رَمَضانُ إِلَى رَمَضانِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكبائرَ لَا بدَّ لَهَا مِنْ تَوْبَةِ خَاصَّةٍ، فَإِذَا لَمْ يَتُبْ تَوْبَةُ خَاصَّةٍ فَإِنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ لَا تُكَفِّرْهَا، بَلْ لَا بدَّ مِنْ تَوْبَةِ خَاصَّةِ.

 

أمّا حديث أُبي هُريْرة الثّاني، فهو أنّ النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام، عرض على أصحابِه عرضا، يعلم النّبيّ ماذا سيقولون في جوابِه، ولكِنّ هذا مِن حُسن تعليمِه عليه الصّلاة والسّلام، أنّه أحيانا يعرِض المسائِل عرضا، حتّى ينتبِه الإنسان لِذلِك، ويَعرُف ماذا سيُلقى إليه، قال: «أَلا أَدُلُّكُمْ عَلى مَا يمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» يعرِض عليهُم هل يخبرهم، ومِن المعلوم أنّهُم سيقولون: نعم يا رسول الله أخبُرُنا، ولكِنّه عليه الصّلاة والسّلام، اُتُّخِذ هذِه الصّيغة وهذا الأُسلوب مِن أجل أن ينتبِهوا إلى ما سيُلقى إليهُم، قالوا: بلى يا رسول الله، يعني: أخبرُنا فإنّنا نوَدّ أن تخبُرنا بِما ترفُّع بِه الدّرجات وتمحا بِه الخطايا، قال: «إِسْباغُ الْوُضُوءِ عَلى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إِلى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بعْد الصَّلاةِ» هذِه ثلاثة أشياء:

 

أولًا: "إِسْباغُ الْوُضُوءِ عَلى المَكَارِهِ"، يعني: اتمام الوَضوء في أيّام الشِّتاء؛ لِأنّ أيّام الشِّتاء يكون الماء فيها بارِدا. واتمام الْوُضُوءِ، يعني: إسباغُه، فيَكون فيه مشقّة على النّفس، فإذا أُسبِغ الإنسان وضوْءه مع هذِه المشقّة، دلّ هذا على كمال الإيمان، فيَرفع اللّه بِذلِك درجات العبد ويَحُطّ عنه خطيئته.

ثانيًا: "وَكَثْرَةُ الخُطَا إِلى المَسَاجِدِ"، يعني: أن يقصِد الإنسان المساجِد، حيْث شرع له اتيانهن، وذلِك في الصّلوات الخمس، ولو بعد المسجِد فإنّه كُلّما بعد المسجِد عن البيْت اِزدادت حسنات الإنسان، فإنّ الإنسان إذا توَضّأ في بيْتِه وأُسبِغ الوُضوء، ثُمّ خرج مِنه إلى المسجِد، لا يُخرِجه إلّا الصّلاة، لم يخط خطوَة واحِدة إلّا رفع اللّه له بِها درجة، وحطّ عنه بِها خطيئة [٥].

ثالثًا: "وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بعْد الصَّلاةِ"، يعني: أنّ الإنسان مِن شِدّة شوْقِه إلى الصّلوات، كُلّما فُرِّغ مِن صلاة، فقلبُه مُتعلِّق بِالصّلاة الأُخرى ينتظِرُها، فإنّ هذا يدُلّ على إيمانِه ومحبّته وشوْقُه لِهذِه الصّلوات العظيمة، الّتي قال عنها رسول الله : «وجُعِلَت قُرَّةُ عَيني في الصَّلاةِ» [٦]. فإذا كان ينتظِر الصّلاة بعد الصّلاة، فإنّ هذا مِمّا يرفع اللّه بِه الدّرجات، ويُكفِّر بِه الخطايا.

 

وقوله : "فَذلِكُمُ الرِّباطُ"، أصِل الرِّباط: الإقامة على جِهاد العدوّ بِالحرب واِرتِباط الخيْل وإعدادها، وهذا مِن أعظُم الإعمال، فلِذلِك شِبه بِه ما ذكر مِن الأفعال الصّالِحة والعِبادة في هذا الحديث، أيّ: أنّ المواظبة على الطّهارة والصّلاة والعِبادة كالجِهاد في سبيل الله.

وقيّل: إنّ الرِّباط هاهُنا اِسم لمّا يربِط بِه الشّيْء، والمُعنّى: أنّ هذِه الخِلال تربِط صاحِبها عن المعاصي وتكُفُّه عنها.

 

هذان الحديثان ذُكِرهُما المُؤلِّف في باب كثرة طُرُق الخيْر؛ لِأنّ هذِه طُرُق مُتعدِّدة مِن الخيْر؛ الصّلوات الخمس، الجمعة إلى الجمعة، رمضان إلى رمضان، كثرة الخطا إلى المساجِد، إسباغ الوَضوء على المكارِه، اِنتِظار الصّلاة بعد الصّلاة. والله الموَفّق.

 

[١] صحيح مسلم (٢٣٣).

[٢] صحيح مسلم (٢٥١).

[٣] صحيح البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥).

[٤] مجمع الزوائد: (٤-٨٢) خلاصة حكم المحدث: رجاله ثقات وفي قيس بن الربيع كلام وقد وثقه شعبة والثوري.

[٥] أخرجه البخاري (٢١١٩)، ومسلم (٦٤٩).

[٦] أخرجه النسائي (٣٩٣٩)، وأحمد (١٤٠٦٩) باختلاف يسير، والبيهقي (١٣٨٣٦) واللفظ له.


الْحمْد لِلَّه ربِّ الْعالمين

اللَّهمَّ اِرْحم مَوْتَانا مِن المسْلمين واجْمعْنَا بِهم فِي جَنَّات النَّعِيم

تَقبَل اَللَّه مِنَّا ومنْكم صَالِح الأعْمال


تعليقات

عدد التعليقات : 0