باب بيان كثرة طرق الخير
شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن
عثيمين رحمه الله
شرح حديث / إن
الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة
أحاديث رياض الصالحين
باب بيان كثرة طرق الخير الحديث رقم 144
عن أنس -رضي الله عنه -قال: قال رسول
الله ﷺ:
(إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده
عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها) رواه مسلم.
(والأكلة)
بفتح الهمزة: وهي الغدوة أو العشوة.
الشرح
قال المؤلف -رحمه الله
تعالى -فيما نقله عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي ﷺ
قال: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده
عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها) وفسر المؤلف -رحمه الله -الأكلة بأنها
الغدوة أو العشوة، أي الغداء أو العشاء.
ففي هذا دليل على أن
رضا الله -عز وجل -قد ينال بأدنى سبب، قد ينال بهذا السبب اليسير ولله الحمد. يرضى
الله عن الإنسان إذا انتهى من الأكل قال: الحمد لله، وإذا انتهى من الشرب قال:
الحمد لله؛ وذلك أن للأكل والشرب آدابًا فعلية وآدابًا قولية.
أما الآداب الفعلية: فإن
يأكل باليمين ويشرب باليمين، ولا يحل له أن يأكل بشماله أو يشرب بشماله، فإن هذا
حرام على القول الراجح؛ لأن النبي ﷺ نهى أن
يأكل الرجل بشماله أو يشرب بشماله، وأخبر أن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله،
وأكل رجل بشماله عنده فقال: (كل بيمينك) قال:
لا أستطيع، فقال: (لا استطعت)، فما استطاع
الرجل بعد ذلك أن يرفع يده اليمنى إلى فمه؛ عوقب والعياذ بالله.
وأما الآداب القولية:
فإن يسمي عند الأكل، يقول: بسم الله، والصحيح أن التسمية عند الأكل أو الشرب
واجبة، وأن الإنسان يأثم إذا لم يسم الله عند أكله أو شربه، لأنه إذا لم يفعل، إذا
لم يسم عند الأكل والشرب، فإن الشيطان يأكل معه ويشرب معه.
ولهذا يجب على الإنسان
إذا أراد يأكل أن يسمي الله، وإذا نسى أن يسمي في أول الطعام ثم ذكر في أثنائه
فليقل: بسم الله أوله وآخره، وإذا نسى أحد أن يسمي فذكره؛ لأن النبي ﷺ ذكر عمر بن أبي سلمة وهو ربيبه بن زوجته أم سلمة
رضي الله عنها، حينما تقدم للأكل فأكل، فقال له النبي ﷺ:
(يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك)
وهذا فيه دليل على أن التسمية -إذا كانوا جماعة -تكون من كل واحد، فكل واحد يسمي،
ولا يكفي أن يسمي واحد عن الجميع، بل كل إنسان يسمي لنفسه.
أما عند الانتهاء فمن
الآداب أن يحمد الله -عز وجل -على هذه النعمة حيث يسر له هذا الأكل، مع أنه لا أحد
يستطيع أن ييسره، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا
تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: 63-64]، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ
الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ
نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة:
68-69] لولا أن الله -عز وجل -نمى هذا الزرع حتى كمل، وتيسر حتى وصل
بين يديك، لعجزت عنه.
وكذلك الماء، لولا أن
الله يسره فأنزله من المزن وسلكه ينابيع في الأرض حتى استخرجته لما حصل لك هذا،
ولهذا قال في الزرع: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ
حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: 65]، وقال في الماء: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾
[الواقعة: 70]، فلهذا كان من
شكر نعمة الله عليك بهذا الأكل والشرب أن تحمد الله إذا انتهيت من الشرب أو من
الأكل، ويكون هذا سببًا لرضا الله عنك.
قوله (الأكلة) فسرها المؤلف بأنها الغدوة أو العشوة، ليست
الأكلة اللقمة، ليس كلما أكلت لقمة قلت: الحمد لله، أو كلما أكلت تمرة قلت: الحمد
لله، السنة أن تقول إذا انتهيت نهائيًا.
وذكر أن الإمام أحمد
-رحمه الله -كان يأكل ويحمد على كل لقمة، فقيل له في ذلك فقال: أكل وحمد خير من
أكل وسكوت، ولكن لا شك أن خير الهدي هدي محمد ﷺ،
وأن الإنسان إذا حمد الله في آخر أكله أو آخر شربه كفى، ولكن إن رأى مصلحة مثلًا
في الحمد؛ يذكر غيره أو ما أشبه ذلك، فأرجو ألا يكون في هذا بأس، كما فعله الإمام
أحمد رحمه الله. والله الموفق.
الحمد لله رب العالمين
![]() |
اللهُم ارحم مَوتانا مِن المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ جَنّات النَعيمْ
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال
|

