باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها
شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله
شرح حديث / مثلي ومثلكم كمثل
رجل أوقد نارا
أحاديث رياض الصالحين
باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها الحديث رقم 167
عن
جابر- رضي الله عنه -قال: قال رسول الله ﷺ: (مثلي
ومثلكم كمثل رجل أوقد نارًا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبهن عنها وأنا
آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي) رواه مسلم (1).
(الجنادب): نحو الجراد (والفراش)،
هذا هو المعروف الذي يقع في النار، و(الحجز):
جمع حجزة، وهي معقد الإزار والسراويل.
الشرح
قال
المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن جابر- رضي الله عنهما -عن النبي ﷺ أنه قال: (مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارًا) أراد النبي- عليه
الصلاة والسلام -بهذا المثل أن يبين حاله مع أمته عليه الصلاة والسلام، وذكر أن
هذه الحال كحال رجل في برية، أوقد نارًا، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها.
والجنادب: نزع من الجراد، أما الفراش فمعروف، (يقعن
فيها) لأن هذه هي عادة الفراش والجنادب والحشرات الصغيرة، إذا أوقد إنسان
نارًا في البر؛ فإنها تأوي إلى هذا الضوء. قال: (وأنا آخذ بحجزكم) يعني لأمنعكم من
الوقوع فيها، ولكنكم تفلتون من يدي.
ففي
هذا دليل على حرص النبي ﷺ-
جزاه الله عنا خيرًا -على حماية أمته من النار، وأنه يأخذ بحجزها ويشدها حتى لا
تقع في هذه النار، ولكننا نفلت من ذلك، ونسأل الله أن يعاملنا بعفوه. فالإنسان
ينبغي له أن ينقاد لسنة النبي ﷺ،
وأن يكون لها طوعًا؛ لأن الرسول ﷺ
إنما يدل على الخير واتقاء الشر، كالذي يأخذ بحجزة غيره، يأخذ بها حتى لا يقع في
النار، لأن الرسول- عليه الصلاة والسلام -كما وصفه الله في كتابه: ﴿لقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ
عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾
[التوبة: 128]، صلوات الله وسلامه عليه.
ومن
فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان- بل يجب -أن يتبع سنة الرسول ﷺ في كل ما أمر به، وفي كل ما
نهى عنه، وفي كل ما فعله، وفي كل ما تركه، يلتزم بذلك، ويعتقد أنه الإمام المتبوع
صلوات الله وسلامه عليه، لكن من المعلوم أن من الشريعة ما هو واجب يأثم الإنسان
بتركه، وما هو محرم يأثم بفعله، ومنها ما هو مستحب؛ إن فعله فهو خير وأجر، وأن
تركه فلا أثم عليه.
وكذلك
من الشريعة ما هو مكروه كراهة تنزيه؛ إن تركه الإنسان فهو خير له، وإن فعله فلا
حرج عليه، لكن المهم أن تلتزم بالسنة عمومًا، وأن تعتقد أن أمامك ومتبوعك هو محمد ﷺ وأنه ليس هناك سبيل إلى
النجاة إلا باتباعه، والسير في طريقه، والتمسك بهديه.
ومن
فوائد هذا الحديث: بيان عظم حق النبي ﷺ على أمته، وأنه كان لا يألو
جهدًا في منعها وصدها عن كل ما يضرها في دينها ودنياها، كما يكون صاحب النار التي
أوقدها وجعل الجنادب والفراش تقع فيها وهو يأخذ بها.
وبناءً
على ذلك، فإذا رأيت نهي النبي ﷺ
عن شيء؛ فأعلم أن فعله شر، ولا تقل هل هو للكراهة أم هو للتحريم، اترك ما نهى عنه،
سواء كان للكراهة أو للتحريم، ولا تعرض نفسك للمساءلة لأن الأصل في نهي الرسول ﷺ أنه للتحريم، إلا إذا قام
دليل على أنه للكراهة التنزيهية.
وكذلك
إذا أمر بشيءٍ، فلا تقل هذا واجب أو غير واجب، افعل ما أمر به، فهو خير لك، إن كان
واجبًا فقد أبرأت ذمتك، وحصلت على الأجر، وإن كان مستحبًا فقد حصلت على الأجر،
وكنت متبعًا تمام الاتباع للرسول ﷺ، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم
اتباعه ظاهرًا وباطنًا.
الحمد لله رب العالمين
(1)
أخرجه مسلم، كتاب الفضائل، باب شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته، رقم (2285).
![]() |
اللهُم ارحم مَوتانا مِن المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ جَنّات
النَعيمْ
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال
|

