أحاديث رياض الصالحين: باب الحث على
الازدياد من الخير في أواخر العمر.
١١٦- وعن عائشةَ رضي اللَّه عنها،
قَالَتْ: مَا صَلَّى رسولُ اللَّه ﷺ صلاةً
بعْد أَنْ نزَلَت علَيْهِ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ
اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر:
١] إلاَّ يقول فِيهَا: «سُبْحانك ربَّنَا وبِحمْدِكَ،
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي» [١] متفقٌ
عَلَيهِ.
وفي رواية الصحيحين عنها: كَانَ رَسُول
اللَّه ﷺ يُكْثِر أنْ يَقُول فِي ركُوعِه
وسُجُودِهِ: «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ ربَّنَا
وَبحمْدِكَ، اللَّهمَّ اغْفِرْ لِي» [٢] يتأوَّل
الْقُرْآن.
وفي رواية لمسلم: كَانَ رسولُ اللَّه ﷺ يُكْثِرُ أنْ يَقولَ قبْلَ أَنْ يَمُوتَ: «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحْمدِكَ، أسْتَغْفِركَ وأتُوبُ إلَيْكَ»
قَالَتْ عائشةُ: قُلْتُ: يَا رسولَ اللَّه مَا هذِهِ الكلِمَاتُ الَّتي أرَاكَ
أحْدثْتَها تَقولها؟ قَالَ: «جُعِلَتْ لِي علامةٌ في
أمَّتي إِذَا رَأيتُها قُلتُها {إِذَا
جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: ١] إِلَى آخِرِ السورة» [٣].
وفي رواية لَهُ: كَانَ رسولُ اللَّه ﷺ يُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ: «سُبْحانَ
اللَّهِ وبحَمْدِهِ، أسْتَغْفِرُ اللَّه وَأَتُوبُ إلَيْه» قَالَتْ:
قُلْتُ: يَا رسولَ اللَّه، أَرَاكَ تُكْثِرُ مِنْ قَوْل: سُبْحَانَ اللَّهِ
وبحمْدِهِ، أسْتغْفِر اللَّه وأتُوبُ إليْهِ؟ فَقَالَ: «أخْبرني
ربِّي أنِّي سَأرَى علاَمَةً فِي أُمَّتي فَإِذَا رأيْتُها أكْثَرْتُ مِن قَوْلِ:
سُبْحانَ اللَّهِ وبحَمْدِهِ، أسْتَغْفِرُ اللَّه وَأتُوبُ إلَيْهِ: فَقَدْ
رَأَيْتُها: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ
وَالْفَتْحُ} فَتْحُ مَكَّةَ، {وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ
أَفْوَاجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً}
[النصر:١-٣]. [٤].
الشيخ:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وصلى
الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذا الأحاديث كالتي قبلها فيها الحث على
العناية بالأعمال الصالحات والاجتهاد في الخير عند تقدم العمر الإنسان يحرص
على متابعة الخير حتى يختم حياته بالعمل الصالح كلما زاد العمر زاد في العمل هكذا
ينبغي للمؤمن {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا
فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: ٦٩]، {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ
مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ
بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: ٩٧]، {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ
عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الحديد: ٢١]، وقال سبحانه: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: ١٤٨]، ويقول
سبحانه: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ
رَبِّكُمْ} [آل
عمران: ١٣٣]، فالمؤمن يسارع ولاسيما كلما تقدم العمر يحرص على متابعة الأعمال
الصالحات والاستكثار منها حتى يكون ذلك أوفر لأعماله الصالحة وأوفر لحسناته وأعظم
لأجره.
ولهذا لما نزل قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: ١]
أكثر النبي ﷺ من التسبيح والتحميد والاستغفار وقال: إنها
علامة أمرني ربي إذا رأيتها أن أسبحه وأستغفره وهي
نصره على المشركين وفتح مكة عليه ودخول الناس في دين الله أفواجًا، وكان ﷺ في آخر حياته يكثر من التسبيح والتحميد والتكبير
ويكثر من قوله: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" في ركوعه
وسجوده يتأول القرآن، يعني: يعمل به يفسر القرآن بعمله، وفي آخر حياته تتابع الوحي
عليه الصلاة والسلام، لإكمال الرسالة. وفق الله الجميع.
[١] أخرجه البخاري: كتاب تفسير القرآن،
سورة إذا جاء نصر الله، برقم (٤٩٦٧)، ومسلم: كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع
والسجود، برقم (٤٨٤)، واللفظ للبخاري.
[٢] أخرجه البخاري: كتاب تفسير القرآن، باب {وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}
[الزلزلة: ٨]، برقم (٤٩٦٨)، ومسلم: كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود،
برقم (٤٨٤).
[٣] أخرجه مسلم: كتاب الصلاة، باب ما يقال في
الركوع والسجود، برقم (٤٨٤).
[٤] أخرجه مسلم: كتاب الصلاة، باب ما
يقال في الركوع والسجود، برقم (٤٨٤).
الْحمْد
لِلَّه ربِّ الْعالمين
اللَّهمَّ اِرْحم مَوْتَانا
مِن المسْلمين واجْمعْنَا بِهم فِي جَنَّات النَّعِيم
تَقبَل اَللَّه مِنَّا
ومنْكم صَالِح الأعْمال
