شرح
حديث/ كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر
أحاديث رياض الصالحين: باب الحث على
الازدياد من الخير في أواخر العمر.
١١٥- وعن ابن عَبَّاسٍ رضي اللَّه عنهما،
قَالَ: كَانَ عمر رضي الله عنه، يُدْخِلُني
مَع أشْياخ بْدرٍ، فَكأنَّ بعْضَهُمْ وجدَ فِي نفسِهِ فَقَالَ: لِمَ يَدْخُلُ
هَذِا معنا ولنَا أبْنَاء مِثْلُه؟ فَقَالَ عمرُ: إِنَّهُ منْ حيْثُ علِمْتُمْ،
فدَعَاني ذاتَ يَوْمٍ فَأدْخلَني معهُمْ، فما رأَيْتُ أنَّه دعاني يوْمئِذٍ إِلاَّ
لِيُرِيهُمْ قَالَ: مَا تقُولُون في قول اللَّه تعالى: {إِذَا
جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: ١] فَقَالَ بَعضُهُمْ: أمِرْنَا نَحْمَدُ اللَّهَ
ونَسْتَغْفِره إذَا نَصرنَا وفَتَحَ علَيْنَا. وسكَتَ بعضهُمْ فَلَمْ يقُلْ شَيئاً
فَقَالَ لي: أكَذلك تقُول يَا ابنَ عباسٍ؟ فقلت: لا. قَالَ فما تقول؟ قُلْتُ: هُو
أجلُ رسولِ اللَّه ﷺ، أعْلمَه لَهُ
قَالَ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} وذلك علامةُ
أجلِك {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: ٣] فَقَالَ عمر رضي الله عنه: مَا
أعْلَم مِنْهَا إلاَّ مَا تَقُول. [١] رواه البخاري.
الشيخ:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى
الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
وكان عمر رضي الله عنه، يجتمع
بالصحابة ويتذاكرون في معاني القرآن وفي السُّنَّة وفيما شرع الله لهم، وكان يدخل
ابن عباس معهم، وابن عباس كان شابًا ومات النبي ﷺ
وهو ابن عشر سنين وتوفي عمر رضي الله عنه، وابن عباس ابن ثلاث وثلاثين سنة
وكان يدخله مع الأشياخ للمذاكرة، فقال بعضهم: لم يدخله ولنا أولاد مثله؟! وكان عمر
أدخله معهم؛ لما أعطاه الله من العلم؛ لأن الرسول ﷺ
قال: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ، اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ في الدِّينِ» فكانت له دراية وعلم
بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، وحفظ وكان
نابغًا في العلم في شبابه رضي الله عنه، وأرضاه
حتى صار الناس يفدون إليه من كل مكان يسألونه فسألهم عن قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ
النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ
تَوَّابًا} [النصر: ١-٣]، فقال بعضهم: الله
أمرنا إذا جاء النصر والفتح أن نكثر من التسبيح والاستغفار، ونصرهم الله وفتح
عليهم مكة فأمروا بالشكر لله بالتسبيح والاستغفار.
فقال: ما تقول يا ابن عباس؟ قال: إنه أجل
رسول الله، إن الله نعى إليه نفسه وإن الله أخبره أنه {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} فقد قرب أجلك {فَسَبِّحْ
بِحَمْدِ رَبِّكَ}،
يعني: فذلك علامة أجلك، فقال عمر: لا
أعلم منها إلا ما قلت! يعني: أنها تعزية للنبي ﷺ،
وتذكير له بأن أجله قريب، إذا جاء الفتح والنصر فقد تم التبليغ وتبيان الرسالة
وحصل المطلوب فقرب الأجل، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما قال ابن عباس! أنها نعي
للنبي ﷺ، وإخبار له بأن أجله قد قرب بعدما فتح
الله عليه مكة ونصره الله على الأعداء، ولا منافاة بين التفسيرين، فهي علامة لأجله
ﷺ، وفيها حث وتحريض على التسبيح والاستغفار،
إذا كان الرسول ﷺ أمر بهذا فالأمة كذلك تتأسى
به في هذا الخير فلا منافاة بين التفسيرين كونها علامة لأجل الرسول ﷺ وكوننا مأمورين إذا نصرنا الله وفتح علينا وأيدنا
على أعدائنا أن نشكره سبحانه وأن نذكر من التسبيح والتهليل والاستغفار؛ شكرًا لله
على إنعامه جَلَّ وَعَلَا.
وهذا هو الحق أن المؤمنين عليهم دائمًا
أن يشكروا الله على ما حباهم من النعم في الشباب وفي حال الشيبة، نسأل الله للجميع
التوفيق.
[١] صحيح البخاري: (٤٩٧).
الْحمْد
لِلَّه ربِّ الْعالمين
اللَّهمَّ
اِرْحم مَوْتَانا مِن المسْلمين واجْمعْنَا بِهم فِي جَنَّات النَّعِيم
تَقبَل
اَللَّه مِنَّا ومنْكم صَالِح الأعْمال
