فتح الباري شرح صحيح البخاري
ابن
حجر العسقلاني - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني
باب قول الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم ما صلينا
فتح الباري شرح صحيح البخاري: كِتَابُ الأَذَانِ بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا صَلَّيْنَا.
٦٤١- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ:
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ
يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ: مَا كِدْتُ أَنْ
أُصَلِّيَ، حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أَفْطَرَ
الصَّائِمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَاللَّهِ
مَا صَلَّيْتُهَا» فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ
إِلَى بُطْحَانَ وَأَنَا مَعَهُ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى -يَعْنِي العَصْرَ-
بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ.
الشرح:
قوله:
(باب قول الرجل للنبي ﷺ ما صلينا) قال ابن بطال: فيه رد
لقول إبراهيم النخعي: يكره أن يقول الرجل لم نصل ويقول نصلي. قلت: وكراهة النخعي
إنما هي في حق منتظر الصلاة، وقد صرح ابن بطال بذلك، ومنتظر الصلاة في صلاة كما
ثبت بالنص، فإطلاق المنتظر "ما صلينا" يقتضي نفي ما أثبته الشارع فلذلك
كرهه، والإطلاق الذي في حديث الباب إنما كان من ناس لها أو مشتغل عنها بالحرب كما
تقدم تقريره في "باب من صلى بالناس جماعة بعد خروج الوقت" في أبواب
المواقيت، فافترق حكمهما وتغايرا. والذي يظهر لي أن البخاري أراد أن ينبه على أن
الكراهة المحكية عن النخعي ليست على إطلاقها لما دل عليه حديث الباب، ولو أراد الرد
على النخعي مطلقا لأفصح به كما أفصح بالرد على ابن سيرين في ترجمة "فاتتنا
الصلاة"، ثم إن اللفظ الذي أورده المؤلف وقع النفي فيه من قول النبي ﷺ
لا من قول الرجل، لكن في بعض طرقه وقوع ذلك من الرجل أيضا، وهو عمر كما أورده في
المغازي، وهذه عادة معروفة للمؤلف يترجم ببعض ما وقع في طرق الحديث الذي يسوقه ولو
لم يقع في الطريق التي يوردها في تلك الترجمة، ويدخل في هذا ما في الطبراني من
حديث جندب في قصة النوم عن الصلاة فقالوا: "يا رسول الله سهونا فلم نصل حتى
طلعت الشمس" وبقية فوائد الحديث تقدمت في المواقيت.
قوله:
(ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس تغرب) وذلك بعدما أفطر الصائم، قال الكرماني
مستشكلا: كيف يكون المجيء بعد الغروب؟ لأن الصائم إنما يفطر حينئذ مع تصريحه بأنه
جاء في اليوم، ثم أجاب بأن المراد بقوله يوم الخندق زمان الخندق، والمراد به بيان
التاريخ لا خصوص الوقت اهـ. والذي يظهر لي أن الإشارة بقوله "وذلك بعدما أفطر
الصائم" إشارة إلى الوقت الذي خاطب به عمر النبي ﷺ
لا إلى الوقت الذي صلى فيه عمر العصر، فإنه كان قرب الغروب كما تدل عليه
"كاد". وأما إطلاق اليوم وإرادة زمان الوقعة لا خصوص النهار فهو كثير.
الحمد لله رب العالمين
اللهُم ارحم مَوتانا مِن المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ جَنّات النَعيمْ
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال
