باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة

باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة
المؤلف احمد خليل
تاريخ النشر
آخر تحديث

 فتح الباري شرح صحيح البخاري

ابن حجر العسقلاني - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني

باب – الأذان – للمسافر – إذا – كانوا – جماعة

باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة


فتح الباري شرح صحيح البخاري: كِتَابُ الأَذَانِ بَابُ الأَذَانِ لِلْمُسَافِرِ، إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً، وَالإِقَامَةِ، وَكَذَلِكَ بِعَرَفَةَ وَجَمْعٍ، وَقَوْلِ المُؤَذِّنِ: الصَّلاَةُ فِي الرِّحَالِ، فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أَوِ المَطِيرَةِ.

٦٢٩- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ المُهَاجِرِ أَبِي الحَسَنِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ فِي سَفَرٍ، فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: «أَبْرِدْ»، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: «أَبْرِدْ»، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: «أَبْرِدْ» حَتَّى سَاوَى الظِّلُّ التُّلُولَ فَقَالَ النَّبِيُّ : «إِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ».

 

الشرح:

قوله: (باب الأذان للمسافرين) كذا للكشميهني وللباقين "للمسافر" بالإفراد وهو للجنس.


قوله: (إذا كانوا جماعة) هو مقتضى الأحاديث التي أوردها لكن ليس فيها ما يمنع أذان المنفرد، وقد روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يقول إنما التأذين لجيش أو ركب عليهم أمير فينادى بالصلاة ليجتمعوا لها، فأما غيرهم فإنما هي الإقامة وحكي نحو ذلك عن مالك، وذهب الأئمة الثلاثة والثوري وغيرهم إلى مشروعية الأذان لكل أحد، وقد تقدم حديث أبي سعيد في "باب رفع الصوت بالنداء" وهو يقتضي استحباب الأذان للمنفرد، وبالغ عطاء فقال إذا كنت في سفر فلم تؤذن ولم تقم فأعد الصلاة، ولعله كان يرى ذلك شرطا في صحة الصلاة أو يرى استحباب الإعادة لا وجوبها.


قوله: (والإقامة) بالخفض عطفا على (الأذان) ولم يختلف في مشروعية الإقامة في كل حال.


قوله: (وكذلك بعرفة) لعله يشير إلى حديث جابر الطويل في "صفة الحج" وهو عند مسلم وفيه "أن بلالا أذن وأقام لما جمع النبي بين الظهر والعصر يوم عرفة".


قوله: (وجمع) بفتح الجيم وسكون الميم هي مزدلفة وكأنه أشار بذلك إلى حديث ابن مسعود الذي ذكره في "كتاب الحج" وفيه "أنه صلى المغرب بأذان وإقامة والعشاء بأذان وإقامة ثم قال رأيت رسول الله يفعله".


قوله: (وقول المؤذن) هو بالخفض أيضا، وقد تقدم الكلام على حديث أبي ذر مستوفى في "باب الإبراد بالظهر" في "المواقيت" وفيه البيان أن المؤذن هو بلال وأنه أذن وأقام فيطابق هذه الترجمة.

 


٦٣٠- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ، قَالَ: أَتَى رَجُلاَنِ النَّبِيَّ يُرِيدَانِ السَّفَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ : «إِذَا أَنْتُمَا خَرَجْتُمَا، فَأَذِّنَا، ثُمَّ أَقِيمَا، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا».

 

الشرح:

قوله: (حدثنا محمد بن يوسف) هو الفريابي وبذلك صرح أبو نعيم في المستخرج و (سفيان) هو الثوري، وقد روى البخاري عن محمد بن يوسف أيضا عن سفيان بن عيينة لكنه محمد بن يوسف البيكندي وليست له رواية عن الثوري والفريابي، وإن كان يروي أيضا عن ابن عيينة لكنه إذا أطلق سفيان فإنما يريد به الثوري، وإذا روى عن ابن عيينة بينه وقد قدمنا ذلك.


قوله: (أتى رجلان) هما مالك بن الحويرث رواي الحديث ورفيقه وسيأتي في "باب سفر الاثنين" من "كتاب الجهاد" بلفظ انصرفت من عند النبي أنا وصاحب لي ولم أر في شيء من طرقه تسمية صاحبه.


قوله: «فأذنا» قال أبو الحسن بن القصار أراد به الفضل وإلا فأذان الواحد يجزئ، وكأنه فهم منه أنه أمرهما أن يؤذنا جميعا كما هو ظاهر اللفظ فإن أراد أنهما يؤذنان معا فليس ذلك بمراد، وقد قدمنا النقل عن السلف بخلافه وإن أراد أن كلا منهما يؤذن على حدة ففيه نظر. فإن أذان الواحد يكفي الجماعة نعم يستحب لكل أحد إجابة المؤذن، فالأولى حمل الأمر على أن أحدهما يؤذن، والآخر يجيب. وقد تقدم له توجيه آخر في الباب الذي قبله وأن الحامل على صرفه عن ظاهره قوله فيه "فليؤذن لكم أحدكم" وللطبراني من طريق حماد بن سلمة عن خالد الحذاء في هذا الحديث "إذا كنت مع صاحبك فأذن وأقم وليؤمكما أكبركما" واستروح القرطبي فحمل اختلاف ألفاظ الحديث على تعدد القصة وهو بعيد، وقال الكرماني قد يطلق الأمر بالتثنية وبالجمع والمراد واحد كقوله "يا حرسي اضربا عنقه"، وقوله "قتله بنو تميم" مع أن الضارب والقاتل واحد.


قوله: «ثم أقيما» فيه حجة لمن قال باستحباب إجابة المؤذن بالإقامة إن حمل الأمر على ما مضى وإلا فالذي يؤذن هو الذي يقيم.

 


٦٣١- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ رَحِيمًا رَفِيقًا، فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا -أَوْ قَدِ اشْتَقْنَا- سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، قَالَ: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ -وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لاَ أَحْفَظُهَا- وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ».

 

الشرح:

(تنبيه): وقع هنا في رواية أبي الوقت حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب عن أيوب فذكر حديث مالك بن الحويرث مطولا نحو ما مضى في الباب قبله، وسيأتي بتمامه في "باب خبر الواحد" وعلى ذكره هناك اقتصر باقي الرواة.

 


٦٣٢- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، قَالَ: أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ، ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ: «أَلاَ صَلُّوا فِي الرِّحَالِ» فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ، أَوِ المَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ.

 

الشرح:

قوله: (حدثنا يحيى) هو القطان.


قوله: (بضجنان) بفتح الضاد المعجمة وبالجيم بعدها نون على وزن (فعلان) غير مصروف قال صاحب "الصحاح" وغيره هو جبل بناحية مكة، وقال أبو موسى في "ذيل الغريبين" هو موضع أو جبل بين مكة والمدينة، وقال صاحب "المشارق" ومن تبعه هو جبيل على بريد من مكة، وقال صاحب "الفائق" بينه وبين مكة خمسة وعشرون ميلا، وبينه وبين وادي مر تسعة أميال، انتهى. وهذا القدر أكثر من بريدين وضبطه بالأميال يدل على مزيد اعتناء، وصاحب "الفائق" ممن شاهد تلك الأماكن واعتنى بها بخلاف من تقدم ذكره ممن لم يرها أصلا، ويؤيده ما حكاه أبو عبيد البكري قال: وبين قديد وضجنان يوم قال معبد الخزاعي من الرجز:

قد جعلت ماء قديد موعدي ... وماء ضجنان لها ضحى الغد


قوله: (وأخبرنا) أي: ابن عمر.

 

قوله: (كان يأمر مؤذنا)، في رواية مسلم "كان يأمر المؤذن.


قوله: (ثم يقول على إثره) صريح في أن القول المذكور كان بعد فراغ الأذان، وقال القرطبي لما ذكر رواية مسلم بلفظ "يقول في آخر ندائه" يحتمل أن يكون المراد في آخره قبيل الفراغ منه جمعا بينه وبين حديث ابن عباس، انتهى. وقد قدمنا في "باب الكلام في الأذان" عن ابن خزيمة أنه حمل حديث ابن عباس على ظاهره وأن ذلك يقال بدلا من الحيعلة نظرا إلى المعنى؛ لأن معنى "حي على الصلاة" هلموا إليها، ومعنى "الصلاة في الرحال" تأخروا عن المجيء فلا يناسب إيراد اللفظين معا؛ لأن أحدهما نقيض الآخر، انتهى. ويمكن الجمع بينهما ولا يلزم منه ما ذكر بأن يكون معنى (الصلاة في الرحال) رخصة لمن أراد أن يترخص، ومعنى (هلموا إلى الصلاة) ندب لمن أراد أن يستكمل الفضيلة ولو تحمل المشقة، ويؤيد ذلك حديث جابر عند مسلم قال خرجنا مع رسول الله في سفر فمطرنا فقال "ليصل من شاء منكم في رحله".

 

قوله: (في الليلة الباردة أو المطيرة) قال الكرماني فعيلة بمعنى فاعلة وإسناد المطر إليها مجاز، ولا يقال إنها بمعنى مفعوله، أي: ممطور فيها لوجود الهاء في قوله (مطيرة) إذ لا يصح ممطورة فيها انتهى. ملخصا.


وقوله: (أو) للتنويع لا للشك، وفي صحيح أبي عوانة "ليلة باردة أو ذات مطر أو ذات ريح" ودل ذلك على أن كلا من الثلاثة عذر في التأخر عن الجماعة، ونقل ابن بطال فيه الإجماع لكن المعروف عند الشافعية أن الريح عذر في الليل فقط، وظاهر الحديث اختصاص الثلاثة بالليل لكن في السنن من طريق ابن إسحاق عن نافع في هذا الحديث "في الليلة المطيرة والغداة القرة" وفيها بإسناد صحيح من حديث أبي المليح عن أبيه "أنهم مطروا يوما فرخص لهم" ولم أر في شيء من الأحاديث الترخص بعذر الريح في النهار صريحا، لكن القياس يقتضي إلحاقه وقد نقله ابن الرفعة وجها.


قوله: (في السفر) ظاهره اختصاص ذلك بالسفر، ورواية مالك عن نافع الآتية في "أبواب صلاة الجماعة" مطلقة وبها أخذ الجمهور، لكن قاعدة حمل المطلق على المقيد تقتضي أن يختص ذلك بالمسافر مطلقا، ويلحق به من تلحقه بذلك مشقة في الحضر دون من لا تلحقه، والله أعلم.

 


٦٣٣- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِالأَبْطَحِ، فَجَاءَهُ بِلاَلٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلاَةِ، ثُمَّ خَرَجَ بِلاَلٌ بِالعَنَزَةِ حَتَّى رَكَزَهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ بِالأَبْطَحِ، وَأَقَامَ الصَّلاَةَ.

 

الشرح:

قوله: (حدثنا إسحاق) وقع في رواية أبي الوقت أنه ابن منصور وبذلك جزم خلف في "الأطراف" وقد تردد الكلاباذي هل هو ابن إبراهيم أو ابن منصور، ورجح الجياني أنه ابن منصور واستدل على ذلك بأن مسلمًا أخرج هذا الحديث بهذا الإسناد عن إسحاق بن منصور.


قوله: (فآذنه بالصلاة ثم خرج بلال) اختصره المصنف، وقد أخرجه الإسماعيلي من طرق عن جعفر بن عون فقال بعد قوله بالصلاة "فدعا بوضوء فتوضأ" فذكر القصة.


قوله: (وأقام الصلاة) اختصر بقيته وهي عند الإسماعيلي أيضا وهي "وركزها بين يديه والظعن يمرون" الحديث. وقد قدمنا الكلام عليه في "باب سترة الإمام سترة من خلفه".


قوله: (بالأبطح) هو موضع معروف خارج مكة وقد بيناه في ذلك الباب، وفهم بعضهم أن المراد بالأبطح موضع جمع لذكره لها في الترجمة، وليس ذلك مراده بل بين جمع والأبطح مسافة طويلة وإنما أورد حديث أبي جحيفة؛ لأنه يدخل في أصل الترجمة وهي مشروعية الأذان والإقامة للمسافرين.


الحمد لله رب العالمين

اللهُم ارحم مَوتانا مِن المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ جَنّات النَعيمْ

تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال

تعليقات

عدد التعليقات : 0