فتح الباري شرح صحيح البخاري
ابن
حجر العسقلاني - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني
باب وقت الظهر عند الزوال
فتح الباري شرح صحيح البخاري: كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلاَةِ بَابٌ: وَقْتُ الظُّهْرِ عِنْدَ الزَّوَالِ.
وَقَالَ جَابِرٌ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِالهَاجِرَةِ.
٥٤٠- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، فَقَامَ عَلَى المِنْبَرِ،
فَذَكَرَ السَّاعَةَ، فَذَكَرَ أَنَّ فِيهَا أُمُورًا عِظَامًا، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ فَلْيَسْأَلْ،
فَلاَ تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ، مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي
هَذَا» فَأَكْثَرَ النَّاسُ فِي البُكَاءِ، وَأَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: «سَلُونِي»، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ
السَّهْمِيُّ، فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: «أَبُوكَ
حُذَافَةُ» ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: «سَلُونِي»
فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا،
وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ
هَذَا الحَائِطِ، فَلَمْ أَرَ كَالخَيْرِ وَالشَّرِّ».
الشرح:
قوله:
(باب) بالتنوين (وقت الظهر) أي: ابتداؤه (عند الزوال) أي: زوال الشمس، وهو ميلها
إلى جهة المغرب. وأشار بهذه الترجمة إلى الرد على من زعم من الكوفيين أن الصلاة لا
تجب بأول الوقت كما سيأتي. ونقل ابن بطال أن الفقهاء بأسرهم على خلاف ما نقل عن
الكرخي عن أبي حنيفة أن الصلاة في أول الوقت تقع نفلا، انتهى. والمعروف عند
الحنفية تضعيف هذا القول. ونقل بعضهم أن أول الظهر إذا صار الفيء قدر الشراك.
قوله:
(وقال جابر) هو طرف من حديث وصله المصنف في "باب وقت المغرب" بلفظ كان
يصلي الظهر بالهاجرة، والهاجرة اشتداد الحر في نصف النهار، قيل سميت بذلك من الهجر
وهو الترك؛ لأن الناس يتركون التصرف حينئذ لشدة الحر ويقيلون.
حديث
أنس تقدم في العلم في "باب من برك على ركبتيه" بهذا الإسناد لكن
باختصار، وسيأتي الكلام على فوائده مستوعبا إن شاء الله تعالى في كتاب الاعتصام.
قوله:
(زاغت) أي: مالت، وقد رواه الترمذي بلفظ "زالت" والغرض منه هنا صدر
الحديث وهو قوله خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر فإنه يقتضي أن زوال الشمس أول وقت
الظهر، إذ لم ينقل أنه صلى قبله، وهذا هو الذي استقر عليه الإجماع، وكان فيه خلاف
قديم عن بعض الصحابة أنه جوز صلاة الظهر قبل الزوال. وعن أحمد وإسحاق مثله في
الجمعة كما سيأتي في بابه.
قوله:
«في عرض هذا الحائط» بضم العين، أي: جانبه أو وسطه.
قوله:
«فلم أر كالخير والشر» أي: المرئي في ذلك المقام.
٥٤١- حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ
عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ:
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ
يُصَلِّي الصُّبْحَ وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ فِيهَا مَا بَيْنَ
السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ. وَيُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ،
وَالْعَصْرَ وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ يَرْجِعُ
وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ. وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ. وَلاَ يُبَالِي
بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ. -ثُمَّ قَالَ- إِلَى شَطْرِ
اللَّيْلِ.
وَقَالَ مُعَاذٌ قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ
لَقِيتُهُ مَرَّةً فَقَالَ: أَوْ ثُلُثِ اللَّيْل.
الشرح:
قوله:
(عن أبي المنهال)، في رواية الكشميهني "حدثنا أبو المنهال" وهو سيار بن
سلامة الآتي ذكره في "باب وقت العصر" من رواية عوف عنه.
قوله:
(يعرف جليسه) أي: الذي بجنبه ففي رواية الجوزقي من طريق وهب بن جرير عن شعبة
"فينظر الرجل إلى جليسه إلى جنبه فيعرف وجهه"، ولأحمد "فينصرف
الرجل فيعرف وجه جليسه" وفي رواية لمسلم "فينظر إلى وجه جليسه الذي يعرف
فيعرفه" وله في أخرى "وينصرف حين يعرف بعضنا وجه بعض".
قوله:
(والعصر) بالنصب، أي: ويصلي العصر.
قوله: (وأحدنا
يذهب إلى أقصى المدينة رجع والشمس حية) كذا وقع هنا في رواية أبي ذر والأصيلي، وفي
رواية غيرهما "ويرجع" بزيادة واو وبصيغة المضارعة وعليها شرح الخطابي
وظاهره حصول الذهاب إلى أقصى المدينة والرجوع من ثم إلى المسجد، لكن في رواية عوف الآتية
قريبا "ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية" فليس فيه
إلا الذهاب فقط دون الرجوع وطريق الجمع بينها وبين رواية الباب أن يقال يحتمل أن
الواو في قوله (وأحدنا) بمعنى (ثم) على قول من قال إنها ترد للترتيب مثل (ثم) وفيه
تقديم وتأخير والتقدير ثم يذهب أحدنا، أي: ممن صلى معه وأما قوله (رجع) فيحتمل أن
يكون بمعنى يرجع ويكون بيانا لقوله (يذهب) ويحتمل أن يكون (رجع) في موضع الحال،
أي: يذهب راجعا ويحتمل أن أداة الشرط سقطت إما (لو) أو (إذا) والتقدير ولو يذهب
أحدنا إلى آخره وجوز الكرماني أن (رجع) خبر للمبتدأ الذي هو (أحدنا) و (يذهب) جملة
حالية وهو وإن كان محتملا من جهة اللفظ، لكنه يغاير رواية عوف وقد رواه أحمد عن
حجاج بن محمد عن شعبة بلفظ "والعصر يرجع الرجل إلى أقصى المدينة والشمس
حية" ولمسلم والنسائي من طريق خالد بن الحارث عن شعبة مثله لكن بلفظ
"يذهب" بدل "يرجع" وقال الكرماني أيضا بعد أن حكى احتمالا آخر
وهو، أي: قوله (رجع) عطف على (يذهب) والواو مقدرة و (رجع) بمعنى يرجع. انتهى.
وهذا
الاحتمال الأخير جزم به ابن بطال وهو موافق للرواية التي حكيناها، ويؤيد ذلك رواية
أبي داود عن حفص بن عمر شيخ المصنف فيه بلفظ "وإن أحدنا ليذهب إلى أقصى
المدينة ويرجع والشمس حية" وقد قدمنا ما يرد عليها وأن رواية عوف أوضحت أن
المراد بالرجوع الذهاب إلى المنزل من المسجد وإنما سمي رجوعا؛ لأن ابتداء المجيء
كان من المنزل إلى المسجد فكان الذهاب منه إلى المنزل رجوعا، وسيأتي الكلام على
بقية مباحث هذا الحديث في "باب وقت العصر" قريبا.
قوله: (وقال
معاذ) هو ابن معاذ البصري (عن شعبة) أي: بإسناده المذكور، وهذا التعليق وصله مسلم
عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه به، والإسناد كله بصريون وكذا الذي قبله وجزم حماد
بن سلمة عن أبي المنهال عند مسلم بقوله "إلى ثلث الليل" وكذا لأحمد عن
حجاج عن شعبة.
٥٤٢- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ
-يَعْنِي ابْنَ مُقَاتِلٍ- قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا
خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنِي غَالِبٌ الْقَطَّانُ عَنْ بَكْرِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "كُنَّا إِذَا
صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالظَّهَائِرِ فَسَجَدْنَا عَلَى
ثِيَابِنَا اتِّقَاءَ الْحَرِّ".
الشرح:
قوله:
(حدثنا محمد) كذا للأصيلي وغيره، ولأبي ذر "ابن مقاتل".
قوله:
(أخبرنا عبد الله) هو ابن المبارك.
قوله:
(أخبرنا خالد بن عبد الرحمن) كذا وقع هنا مهملا وهو السلمي واسم جده بكير وثبت
الأمران في "مستخرج الإسماعيلي" وليس له عند البخاري غير هذا الحديث
الواحد، وفي طبقته خالد بن عبد الرحمن الخراساني نزيل دمشق وخالد بن عبد الرحمن
الكوفي العبدي ولم يخرج لهما البخاري شيئا.
قوله:
(بالظهائر) جمع (ظهيرة) وهي الهاجرة، والمراد صلاة الظهر.
قوله:
(سجدنا على ثيابنا) كذا في رواية أبي ذر والأكثرين، وفي رواية كريمة
"فسجدنا" بزيادة فاء وهي عاطفة على شيء مقدر.
قوله:
(اتقاء الحر) أي: للوقاية من الحر، وقد روى هذا الحديث بشر بن المفضل عن غالب كما
مضى ولفظه مغاير للفظه لكن المعنى متقارب، وقد تقدم الكلام عليه في "باب
السجود على الثوب في شدة الحر" وفيه الجواب عن استدلال من استدل به على جواز
السجود على الثوب ولو كان يتحرك بحركته، وفيه المبادرة لصلاة الظهر ولو كان في شدة
الحر، ولا يخالف ذلك الأمر بالإبراد بل هو لبيان الجواز وإن كان الإبراد أفضل.
والله أعلم.
الحمد لله رب العالمين
اللهُم ارحم مَوتانا مِن المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ جَنّات النَعيمْ
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال
