باب سترة الإمام سترة من خلفه

باب سترة الإمام سترة من خلفه
المؤلف احمد خليل
تاريخ النشر
آخر تحديث

 فتح الباري شرح صحيح البخاري

ابن حجر العسقلاني - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني

باب – سترة – الإمام – سترة – من - خلفه

باب سترة الإمام سترة من خلفه


فتح الباري شرح صحيح البخاري: كِتَابُ الصَّلاَةِ أَبْوَابُ سُتْرَةِ المُصَلِّي بَابُ سُتْرَةُ الإِمَامِ سُتْرَةُ مَنْ خَلْفَهُ.

٤٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلاَمَ، وَرَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ، وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ.

 

الشرح:

(أبواب سترة المصلي).

قوله: (باب سترة الإمام سترة من خلفه) أورد فيه ثلاثة أحاديث، الثاني والثالث منها مطابقان للترجمة لكونه لم يأمر أصحابه أن يتخذوا سترة غير سترته، وأما الأول وهو حديث ابن عباس ففي الاستدلال به نظر؛ لأنه ليس فيه أنه صلى إلى سترة، وقد بوب عليه البيهقي "باب من صلى إلى غير سترة" وقد تقدم في كتاب العلم في الكلام على هذا الحديث في "باب متى يصح سماع الصغير" قول الشافعي: إن المراد بقول ابن عباس "إلى غير جدار" أي: إلى غير سترة، وذكرنا تأييد ذلك من رواية البزار، وقال بعض المتأخرين: قوله "إلى غير جدار" لا ينفي غير الجدار، إلا أن إخبار ابن عباس عن مروره بهم وعدم إنكارهم لذلك مشعر بحدوث أمر لم يعهدوه، فلو فرض هناك سترة أخرى غير الجدار لم يكن لهذا الإخبار فائدة، إذ مروره حينئذ لا ينكره أحد أصلا .

وكأن البخاري حمل الأمر في ذلك على المألوف المعروف من عادته ، أنه كان لا يصلي في الفضاء إلا والعنزة أمامه، ثم أيد ذلك بحديثي ابن عمر وأبي جحيفة، وفي حديث ابن عمر ما يدل على المداومة وهو قوله بعد ذكر الحربة "وكان يفعل ذلك في السفر" وقد تبعه النووي فقال في شرح مسلم في كلامه على فوائد هذا الحديث: فيه أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، والله أعلم.

قوله: (ناهزت الاحتلام) أي: قاربته، وقد ذكرت الاختلاف في قدر عمره في "باب تعليم الصبيان" من كتاب فضيلة القرآن وفي "باب الاختتان بعد الكبر" من كتاب الاستئذان. وتوجيه الجمع بين المختلف من ذلك وبيان الراجح من الأقوال ولله الحمد.

قوله: (يصلي بالناس بمنى) كذا قال مالك وأكثر أصحاب الزهري، ووقع عند مسلم من رواية ابن عيينة "بعرفة" قال النووي: يحمل ذلك على أنهما قضيتان، وتعقب بأن الأصل عدم التعدد ولا سيما مع اتحاد مخرج الحديث، فالحق أن قول ابن عيينة "بعرفة" شاذ.

ووقع عند مسلم أيضا من رواية معمر عن الزهري "وذلك في حجة الوداع أو الفتح" وهذا الشك من معمر لا يعول عليه، والحق أن ذلك كان في حجة الوداع.


قوله: (بعض الصف) زاد المصنف في الحج من رواية ابن أخي ابن شهاب عن عمه "حتى سرت بين يدي بعض الصف الأول". انتهى. وهو يعين أحد الاحتمالين اللذين ذكرناهما في كتاب العلم.


قوله: (فلم ينكر ذلك علي أحد) قال ابن دقيق العيد: استدل ابن عباس بترك الإنكار على الجواز، ولم يستدل بترك إعادتهم للصلاة؛ لأن ترك الإنكار أكثر فائدة.


قلت: وتوجيهه أن ترك الإعادة يدل على صحتها فقط لا على جواز المرور، وترك الإنكار يدل على جواز المرور وصحة الصلاة معا. ويستفاد منه أن ترك الإنكار حجة على الجواز بشرطه وهو انتفاء الموانع من الإنكار وثبوت العلم بالاطلاع على الفعل، ولا يقال لا يلزم مما ذكر اطلاع النبي على ذلك لاحتمال أن يكون الصف حائلا دون رؤية النبي له؛ لأنا نقول قد تقدم أنه كان يرى في الصلاة من ورائه كما يرى من أمامه وتقدم أن في رواية المصنف في الحج أنه مر بين يدي بعض الصف الأول، فلم يكن هناك حائل دون الرؤية، ولو لم يرد شيء من ذلك لكان توفر دواعيهم على سؤاله عما يحدث لهم كافيا في الدلالة على اطلاعه على ذلك والله أعلم.

واستدل به على مرور الحمار لا يقطع الصلاة، فيكون ناسخا لحديث أبي ذر الذي رواه مسلم في كون مرور الحمار يقطع الصلاة وكذا مرور المرأة والكلب الأسود. وتعقب بأن مرور الحمار متحقق في حال مرور ابن عباس وهو راكبه، وقد تقدم أن ذلك لا يضر لكون الإمام سترة لمن خلفه وأما مروره بعد أن نزل عنه فيحتاج إلى نقل.
وقال ابن عبد البر: حديث ابن عباس هذا يخص حديث أبي سعيد "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه" فإن ذلك مخصوص بالإمام والمنفرد، فأما المأموم فلا يضره من مر بين يديه لحديث ابن عباس هذا، قال: وهذا كله لا خلاف فيه بين العلماء. وكذا نقل عياض الاتفاق على أن المأمومين يصلون إلى سترة، لكن اختلفوا هل سترتهم سترة الإمام أم سترتهم الإمام نفسه اهـ. فيه نظر، لما رواه عبد الرزاق عن الحكم بن عمرو الغفاري الصحابي "أنه صلى بأصحابه في سفر وبين يديه سترة، فمرت حمير بين يدي أصحابه فأعاد بهم الصلاة". وفي رواية له أنه قال لهم "إنها لم تقطع صلاتي ولكن قطعت صلاتكم فهذا يعكر على ما نقل من الاتفاق.

ولفظ ترجمة الباب ورد في حديث مرفوع رواه الطبراني في الأوسط من طريق سويد بن عبد العزيز عن عاصم عن أنس مرفوعا "سترة الإمام سترة لمن خلفه" وقال: تفرد به سويد عن عاصم اهـ. وسويد ضعيف عندهم. ووردت أيضا في حديث موقوف على ابن عمر أخرجه عبد الرزاق، ويظهر أثر الخلاف الذي نقله عياض فيما لو مر بين يدي الإمام أحد، فعلى قول من يقول إن سترة الإمام سترة من خلفه يضر صلاته وصلاتهم معا، وعلى قول من يقول إن الإمام نفسه سترة من خلفه يضر صلاته ولا يضر صلاتهم وقد تقدمت بقية مباحث حديث ابن عباس في كتاب العلم.

 


٤٩٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ يَعْنِي ابْنَ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ العِيدِ أَمَرَ بِالحَرْبَةِ، فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُصَلِّي إِلَيْهَا وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ. فَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذَهَا الْأُمَرَاءُ.

 

الشرح:

قوله: (حدثنا إسحاق) قال أبو علي الجياني لم أجد إسحاق هذا منسوبا لأحد من الرواة.

قلت: وقد جزم أبو نعيم وخلف وغيرهما أنه إسحاق بن منصور.


قوله: (أمر بالحربة) أي: أمر خادمه بحمل الحربة وللمصنف في "العيدين" من طريق الأوزاعي عن نافع "كان يغدو إلى المصلى والعنزة تحمل وتنصب بين يديه فيصلي إليها"، زاد ابن ماجه وابن خزيمة والإسماعيلي "وذلك أن المصلى كان فضاء ليس فيه شيء يستره".


قوله: (والناس) بالرفع عطفا على فاعل (فيصلي).

قوله: (وكان يفعل ذلك) أي: نصب الحربة بين يديه حيث لا يكون جدار.

قوله: (فمن ثم) أي: فمن تلك الجهة اتخذ الأمراء الحربة يخرج بها بين أيديهم في العيد ونحوه وهذه الجملة الأخيرة فصلها علي بن مسهر من حديث ابن عمر فجعلها من كلام نافع كما أخرجه ابن ماجه وأوضحته في كتاب "المدرج".


وفي الحديث: الاحتياط للصلاة وأخذ آلة دفع الأعداء لا سيما في السفر وجواز الاستخدام وغير ذلك والضمير في (اتخذها) يحتمل عوده إلى الحربة نفسها أو إلى جنس الحربة وقد روى عمر بن شبة في "أخبار المدينة" من حديث سعد القرظ "أن النجاشي أهدى إلى النبي حربة فأمسكها لنفسه فهي التي يمشى بها مع الإمام يوم العيد" ومن طريق الليث أنه بلغه أن العنزة التي كانت بين يدي النبي كانت لرجل من المشركين فقتله الزبير بن العوام يوم أحد فأخذها منه النبي فكان ينصبها بين يديه إذا صلى ويحتمل الجمع بأن عنزة الزبير كانت أولا قبل حربة النجاشي.

 

(فائدة): حديث أبي جحيفة أخرجه المصنف مطولا ومختصرا وقد تقدم في "الطهارة" في "باب استعمال فضل وضوء الناس" وفي "ستر العورة من الصلاة" في "باب الصلاة في الثوب الأحمر" وذكره أيضا هنا وبعد بابين أيضا وفي "الأذان" وفي "صفة النبي " في موضعين وفي "اللباس" في موضعين ومداره عنده على الحكم بن عتيبة وعلى عون بن أبي جحيفة كلاهما عن أبي جحيفة وعند أحدهما ما ليس عند الآخر وقد سمعه شعبة منهما كما سيأتي واضحا.

 


٤٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى بِهِمْ بِالْبَطْحَاءِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ، الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَالعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ المَرْأَةُ وَالحِمَارُ.

 

الشرح:

قوله: (أن النبي صلى بهم بالبطحاء) يعني: بطحاء مكة وهو موضع خارج مكة وهو الذي يقال له الأبطح، وكذا ذكره من رواية أبي العميس عن عون وزاد من رواية آدم عن شعبة عن عون أن ذلك كان بالهاجرة فيستفاد منه كما ذكر النووي، أنه جمع حينئذ بين الصلاتين في وقت الأولى منهما، ويحتمل أن يكون قوله (والعصر ركعتين) أي: بعد دخول وقتها.


قوله: (وبين يديه عنزة) تقدم ضبطها وتفسيرها في الطهارة في حديث أنس وفي رواية أبي العميس "جاء بلال فآذنه بالصلاة ثم خرج بالعنزة حتى ركزها بين يديه وأقام الصلاة" وأول رواية عمر بن أبي زائدة عن عون عن أبيه "رأيت رسول الله في قبة حمراء من أدم ورأيت بلالا أخذ وضوء رسول الله ورأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء فمن أصاب منه شيئا تمسح به ومن لم يصب منه شيئا أخذ من بلل يد صاحبه" وفيها أيضا "وخرج في حلة حمراء مشمرا" وفي رواية مالك بن مغول عن عون "كأني أنظر إلى وبيص ساقيه" وبين فيها أيضا أن الوضوء الذي ابتدره الناس كان فضل الماء الذي توضأ به النبي وكذا هو في رواية شعبة عن الحكم، وفي رواية مسلم من طريق الثوري عن عون ما يشعر بأن ذلك كان بعد خروجه من مكة لقوله "ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة".


قوله: (يمر بين يديه) أي: بين العنزة والقبلة لا بينه وبين العنزة ففي رواية عمر بن أبي زائدة في (باب الصلاة في الثوب الأحمر) "ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة".

 

وفي الحديث من الفوائد التماس البركة مما لابسه الصالحون ووضع السترة للمصلي حيث يخشى المرور بين يديه والاكتفاء فيها بمثل غلظ العنزة وأن قصر الصلاة في السفر أفضل من الإتمام لما يشعر به الخبر من مواظبته عليه وأن ابتداء القصر من حين مفارقة البلد الذي يخرج منه.


وفيه: تعظيم الصحابة للنبي .

وفيه: استحباب تشمير الثياب لا سيما في السفر وكذا استصحاب العنزة ونحوها ومشروعية الأذان في السفر كما سيأتي في "الأذان" وجواز النظر إلى الساق وهو إجماع في الرجل حيث لا فتنة وجواز لبس الثوب الأحمر.

وفيه: خلاف يأتي ذكره في "كتاب اللباس" إن شاء الله تعالى.


الحمد لله رب العالمين

اللهُم ارحم مَوتانا مِن المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ جَنّات النَعيمْ

تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال

تعليقات

عدد التعليقات : 0