كتاب الأمور المنهي عنها: باب كراهة أنْ يسأل الإِنسانُ بوجه الله عز وجل غير الجنَّة وكراهة منع مَن سأل بالله تعالى وتشفَّع به
شرح العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
أحاديث
رياض الصالحين: باب كراهة أنْ يسأل الإِنسانُ بوجه الله عز وجل غير الجنَّة وكراهة
منع مَن سأل بالله تعالى وتشفَّع به.
١٧٣١ - عَنْ
جَابِرْ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ:
«لَا يَسْأَلُ بِوَجْهِ اَللَّهِ إِلَّا اَلْجَنَّةُ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ.
١٧٣٢ - وَعَنْ اِبْنُ عُمَرْ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ: «مِنْ
اِسْتَعَاذَ بِاَللَّهِ فَأُعِيذُوهُ، وَمِنْ سَأَلَ بِاَللَّهِ فَأَعْطَوْهُ،
وَمِنْ دَعَاكُمْ فَأُجِيبُوهُ، وَمِنْ صُنْعِ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا
فَكَافَئُوهُ، فَإِنَّ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى
تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ» حديث صحيح، رواه أبو داود والنسائي
بأسانيد الصحيحين.
الشيخ:
بِسْم
اللَّه الرَّحْمن الرَّحِيم، الحمْد لِلَّه، وَصلَّى اَللَّه وَسلَّم على رَسُول
اَللَّه، وَعلَى آله وأصْحابه وَمِن اِهتدَى بِهداه.
أَمَّا
بُعْد:
فَهذِه
الأحاديث تَتَعلَّق بِالسُّؤال بِوَجه اَللَّه، والسُّؤال بِاللَّه، وقوْل فُلَان:
"مَلِك اَلمُلوك"، والسُّؤال بِوَجه اَللَّه لَا يَنبَغِي إِلَّا إِذَا
كان يَسأَل الجنَّة ومَا يَقرُب إِليْهَا؛ لِقوْله ﷺ:
«لَا يَسأَل بِوَجه اَللَّه إِلَّا الجنَّة»، والْحديث فِي إِسْناده بَعْض
الشَّيْء، لَكنَّه مُقَارِب، تعْظيمًا لِلَّه جلَّ وَعلَا، وَأنَّه لَا يَسأَل
بِوجْهه إِلَّا الشَّيْء اَلعظِيم، وَهُو الجنَّة ومَا يَقرُب إِليْهَا، كسؤال
الثَّبَات على اَلحَق، والاسْتقامة على اَلهُدى، وَحُسن الختَام، وأشْبَاه ذَلِك؛
لِأنَّ هذَا سُؤَال يُؤدِّي إِلى الجنَّة.
وَمِن
هذَا مَا جاء فِي اَلحدِيث: أَعُوذ بِنور وَجهِك اَلذِي أَشرَقت لَه الظُّلمات،
وَصُلح عليْه أَمْر الدُّنْيَا والْآخرة لِمَا خرج مِن الطَّائف عليْه الصَّلَاة
والسَّلام.
فالْمقْصود
أنَّ سُؤَال اَللَّه بِوجْهه عزَّ وجلَّ، أو بِنور وَجهِه إِذَا كان فِي الجنَّة
ومَا يَقرُب إِليْهَا فلَا بَأْس.
وَفِي اَلحدِيث
الثَّاني -حديث اِبْن عُمَر- الدَّلالة على أَنَّه يَنبَغِي مُسَاعدَة مِن سأل
بِاللَّه، وَمِن اِسْتعَاذ بِاللَّه، وَمِن دعَا يُجَاب الدَّعْوة، قال اَلنبِي ﷺ:
«مِن سأل بِاللَّه فأعْطَوْه» يَعنِي: تعْظيمًا لِهَذا الأمْر، إِذَا كان
يَستَحِق، فقير، أو مِن يَطلُب مِن الزَّكَاة، أَمَّا إِذَا كان لَا يَستَحِق
فيمْنع مِن السُّؤَال، لَكِن مُرَاده ﷺ
إِذَا سأل بِاللَّه فَهُو أَهْل لِلْعطَاء فَيُعطَى، أُمًّا مِن الزَّكَاة إِنَّ
كان مِن أَهلِها، أو مِن غَيْر الزَّكَاة، يَقُول اَللَّه: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}
[الذَّاريات: ١٩]، وَيقُول سُبْحانه: {وَأَمَّا
السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} [الضُّحى: ١٠].
«وَمِن
اِسْتعَاذ بِاللَّه فأعيذوه» إِذَا قال: "أنَا عَائِذ بِوَجه اَللَّه أن
تُجْبروني بِكَذا"، أو "أنَا أَعُوذ بِاللَّه أنَّ تُلْزموني
بِكَذا" يُعَاذ، إِلَّا إِذَا اِسْتعَاذ بِشَيء يلْزمه، فَإنَّه يُلْزِم
بِذَلك، كان يَستعِيذ بِاللَّه أن يُلْزِم بِالصَّلاة، أو يُلْزِم بِقضاء الدِّين،
هذَا مَا يُطَاع، يُلْزِم بِالْحقِّ، لَكِن إِذَا اِسْتعَاذ بِاللَّه فِي شَيْء
لَا يلْزمه يُعَاذ، كأنَّ يَستعِيذ بِاللَّه أن يُلْزِم بِالسَّفر، أو بِالزَّواج
مِن فُلَانَة، أو مَا أَشبَه ذَلِك.
وَمِن
هذَا مَا جاء عن اِبْن عُمَر -رضي الله عنه- لِمَا أراده عُثْمان على القضَاء قال:
" أَعُوذ بِاللَّه مِن ذَلِك"، فَأَعاذَه عُثْمان ولم يلْزمْه.
«وَمِن
دعاكمْ فأجيبوهُ: إذا دعا إلى وليمةٍ يجابُ الدعوةَ، فالنبيُ ﷺ
أمرٌ بإجابةِ الدعوةِ، قالَ البراءْ: "أمرنا الرسولُ بسبعٍ"، وذكرَ منها
إجابةَ الدعوةِ، وفي الحديثِ الصحيحِ: "منْ لمْ يجبْ الدعوةَ فقدْ عصى اللهُ
ورسولهُ" أخرجهُ مسلمٌ.
فإذا
دعا أخاهُ إلى وليمةِ عرسٍ أوْ عقيقةٍ أوْ إكرامْ لهُ بدعوةٍ خاصةٍ يجيبُ الدعوةَ،
إذا كانَ الداعي ليسَ ممنْ يستحقُ الهجرُ، أما إذا كانَ الداعي يستحقُ الهجرُ
لكونهِ قدْ أعلنَ المعاصيَ أوْ ما أشبهَ ذلكَ فلا بأس، لا يجيبُ، ما يستحقُ
الإجابةَ، ويكون ذلكَ عذرا، أوْ كانَ الإنسانُ لا يستطيعُ لمرضهِ، أوْ لأنَ
الدعوةَ فيها منكرٌ؛ لا يحضرها، فهذا عذرُ لهُ.
«ومنْ
صنعِ إليكمْ معروفا فكافئوهُ» هذا منْ مكارمِ الأخلاقِ، إذا صنعَ إليكَ معروفا
تكافئهُ: أنجاكَ منْ مظلمةٍ، حماكَ منْ عدوٍ، قضى دينكْ، إذا تيسرَ لكَ مكافأتهِ
ولوْ بالدعاءِ فطيبٍ، فإنَ لمْ تجدوا ما تكافئوهُ فادعوا لهُ: إذا ما تيسرتْ
المكافأةُ الماليةُ فالدعاءُ، وبعضَ الناسِ ما يحتاجُ إلى مكافأةٍ ماليةٍ، يحتاجَ
إلى مكافأةٍ بالدعاءِ؛ لكونهِ صنعَ معروفا: قضى دينكْ، فرجْ كربتكَ، منعكَ منْ
ظالمٍ، أعانكَ على الزواجِ، إلى غيرِ هذا منْ المعروفِ، فإنَ لمْ تجدوا ما
تكافئوهُ فادعوا لهُ حتى تروا يعني: حتى تعلموا، وفي الروايةِ الأخرى: حتى تروا
يعني: حتى تظنوا أنكمْ قدْ كافأتموهُ، يعني: حتى يغلبَ على الظنِ أنكَ قدْ كافأتهُ
بالدعواتِ الطيبةِ. وفَّق الله الجميع.
الحمد
لله رب العالمين
اللهُم ارحم
مَوتانا مِن المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ جَنّات النَعيمْ
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال
