فتح الباري شرح صحيح البخاري
ابن حجر العسقلاني - أحمد بن علي بن حجر
العسقلاني
باب الاستعانة بالنجار
والصناع في أعواد المنبر والمسجد
فتح الباري شرح صحيح البخاري: كِتَابُ الصَّلاَةِ بَابُ الِاسْتِعَانَةِ بِالنَّجَّارِ وَالصُّنَّاعِ فِي أَعْوَادِ المِنْبَرِ وَالمَسْجِدِ.
٤٤٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ
سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ
سَهْلٍ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى امْرَأَةٍ: «مُرِي غُلاَمَكِ النَّجَّارَ، يَعْمَلْ لِي أَعْوَادًا،
أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ».
الشرح:
قوله: (باب الاستعانة بالنجار والصناع في
أعواد المنبر والمسجد) الصناع بضم المهملة جمع صانع، وذكره بعد النجار من العام
بعد الخاص أو في الترجمة لف ونشر فقوله في أعواد المنبر ليتعلق بالنجار وقوله
والمسجد يتعلق بالصناع، أي:
والاستعانة بالصناع في المسجد، أي: في بناء المسجد. وحديث الباب من رواية سهل
وجابر جميعا يتعلق بالنجار فقط، ومنه تؤخذ مشروعية الاستعانة بغيره من الصناع لعدم
الفرق، وكأنه أشار بذلك إلى حديث طلق بن عليّ قال: "بنيت المسجد مع رسول الله
ﷺ
فكان يقول: قربوا اليمامي من الطين فإنه أحسنكم له مسا وأشدكم له سبكا" رواه
أحمد، وفي لفظ له: "فأخذت المسحاة فخلطت الطين فكأنه أعجبه فقال: دعوا الحنفي
والطين، فإنه أضبطكم للطين"، ورواه ابن حبان في صحيحه ولفظه: "فقلت يا
رسول الله أأنقل كما ينقلون؟ فقال: لا ولكن اخلط لهم الطين فأنت أعلم به".
قوله: (حدثنا عبد العزيز) هو ابن أبي
حازم.
قوله: (إلى امرأة) تقدم ذكرها في باب
الصلاة على المنبر والسطوح، والتنبيه على غلط من سماها علاثة، وكذا التنبيه على
اسم غلامها، وساق المتن هنا مختصرا، وساقه بتمامه في البيوع بهذا الإسناد. وسنذكر
فوائده في كتاب الجمعة إن شاء الله تعالى.
٤٤٩ - حَدَّثَنَا
خَلَّادٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلاَ
أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِي غُلاَمًا نَجَّارًا؟ قَالَ:
«إِنْ شِئْتِ» فَعَمِلَتِ
المِنْبَرَ.
الشرح:
قوله: (حدثنا
خلاد) هو ابن يحيى و (أيمن) بوزن (أفعل) وهو الحبشي مولى بني مخزوم.
قوله: (أن امرأة) هي التي ذكرت في حديث سهل فإن قيل ظاهر سياق حديث جابر مخالف
لسياق حديث سهل؛ لأن في هذا أنها ابتدأت بالعرض وفي حديث سهل أنه ﷺ هو الذي أرسل إليها يطلب ذلك. أجاب ابن بطال: باحتمال أن تكون
المرأة ابتدأت بالسؤال متبرعة بذلك فلما حصل لها القبول أمكن أن يبطئ الغلام بعمله
فأرسل يستنجزها إتمامه لعلمه بطيب نفسها بما بذلته، قال ويمكن أن يكون إرساله
إليها ليعرفها بصفة ما يصنعه الغلام من الأعواد وأن يكون ذلك منبرا.
قلت: قد أخرجه المصنف في "علامات النبوة" من هذا الوجه بلفظ "ألا
أجعل لك منبرا" فلعل التعريف وقع بصفة للمنبر مخصوصة أو يحتمل أنه لما فوض
إليها الأمر بقوله لها «إن شئت» كان ذلك سبب البطء؛ لا أن الغلام كان شرع وأبطأ؛
ولا أنه جهل الصفة وهذا أوجه الأوجه في نظري.
قوله: (ألا أجعل لك) أضافت الجعل إلى نفسها مجازا.
قوله: (فإن لي
غلاما نجارا) في رواية الكشميهني "فإني لي غلام نجار" وقد اختصر المؤلف
هذا المتن أيضا ويأتي بتمامه في "علامات النبوة".
وفي الحديث قبول البذل إذا كان بغير سؤال، واستنجاز الوعد ممن يعلم منه الإجابة،
والتقرب إلى أهل الفضل بعمل الخير، وسيأتي بقية فوائده في "علامات
النبوة" إن شاء الله تعالى.
الحمد
لله رب العالمين
اللهُم ارحم مَوتانا مِن
المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ جَنّات النَعيمْ
تقبل الله منا ومنكم صالح
الأعمال
