كتاب الأمور المنهي عنها: باب كراهة الحلف في البيع وإنْ كان صادقًا
شرح العلامة
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
أحاديث
رياض الصالحين: باب العفو عن لغو اليمين وأنَّه لا كفَّارة فِيهِ وَهُوَ مَا يجري
عَلَى اللسان بغير قصد اليمين كقوله عَلَى العادة: "لا والله"،
و"بلى والله"، ونحو ذَلِكَ.
قَالَ
الله تَعَالَى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ
بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ
الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا
تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ
يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا
حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} [المائدة: ٨٩].
١٧٢٨
- وَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ
اللَّه عَنْهَا- قَالَتْ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {لَا
يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} في قَوْلِ
الرَّجُلِ: "لا واللَّهِ"، وَ "بَلى واللَّهِ". رواه البخاري.
أحاديث
رياض الصالحين: باب كراهة الحلف في البيع وإنْ كان صادقًا
١٧٢٩
- عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
يقُولُ: «الحَلِفُ مَنْفَقَةٌ للسِّلْعَةِ،
مَمْحَقَةٌ للْكَسْبِ» متفقٌ عَلَيْهِ.
١٧٣٠
- وَعَنْ أَبي قَتَادَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه سمع رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
يَقُولُ: «إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الحَلِفِ فِي
الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ» رواه مسلم.
الشيخ:
بسم
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله
وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما
بعد:
فهذه
الأحاديث مع الآية الكريمة فيها الحثّ على حفظ اليمين، والحذر من الإكثار منها؛
لأن الإكثار منها وسيلة إلى الكذب والحلف بغير حق، والله يقول: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ}، فالمشروع للمؤمن الحرص
على حفظ يمينه، وألا يحلف إلا على شيءٍ له أهمية، أما غالب الأشياء فينبغي له أن
يتجنَّب فيها الحلف؛ لئلا يجرّه ذلك إلى الكذب.
وأما
اللغو فهو الشيء الذي جرى على اللسان بغير قصدٍ، هذا يُسمَّى لغو اليمين، ليس فيه
شيء، قال الله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ
بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}
[البقرة: ٢٢٥]، وفي الآية الأخرى: {وَلَكِنْ
يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} [المائدة: ٨٩]، فالأيمان
التي يعقدها الإنسان ويكسبها بقلبه ويَنْوِيها هذه هي التي فيها الكفَّارة، فإذا
قال: "والله" قاصدًا "لا أقوم"، "والله" قاصدًا
"لا أسافر"، "والله ما أُكلِّم فلانًا" عن قصدٍ، فهذا فيه
الكفَّارة إذا حنث، أما أن يتحدث هو وصاحبه: "والله ما فعلتُ كذا"،
"والله ما صار كذا"، حديث سائر ما قصد فيه اليمين، هذا مثلما قالت عائشة
-رضي الله عنها-: "هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله"، يعني: في حديثه
العابر الذي ليس فيه قصد الحلف على شيءٍ.
والكفَّارة
وضَّحها الله في سورة المائدة: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فمَن
لم يجد –يعني: مَن عجز عن الثلاثة- صام ثلاثة أيام، وينبغي أن تكون متتابعةً كما
قال ابنُ مسعودٍ -رضي الله عنه-.
وفي
الأحاديث الأخيرة التحذير من الحلف في البيع وكثرة الأيمان، فإنها قد تجرّ إلى
الكذب، ولهذا قال ﷺ: «الحلف
مَنْفَقَةٌ للسلعة، مَمْحَقَةٌ للكسب» يعني: أنَّ الأيمان تُرَوِّج السلعة،
يُصدِّقونه، ويغلب على الظن أنه طيب فيُصدِّقونه، فيُرَوِّج سلعته بالأيمان،
لكنَّها تمحق الكسب؛ لأنَّ الغالب أن يكون فيها الكذب.
وهكذا
قوله ﷺ: «إياكم
وكثرة الحلف في البيع؛ فإنه يُنَفِّق ثم يَمْحَق» يعني: يُنَفِّق السلعة -يُرَوِّجها-
ثم يمحق بركةَ الثمن.
فالواجب
على المؤمن أن يكون حافظًا ليمينه، قليل الحلف، إلا عند الحاجة، حتى لا تقع منه
الكارثة، وهي اليمين الغموس، نسأل الله العافية. وفَّق الله الجميع.
الحمد
لله رب العالمين
اللهُم ارحم
مَوتانا مِن المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ جَنّات النَعيمْ
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال
