فتح الباري شرح صحيح البخاري
ابن
حجر العسقلاني - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني
كتاب الصلاة
باب ما يذكر في الفخذ
فتح
الباري شرح صحيح البخاري: كِتَابُ الصَّلاَةِ بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي الفَخِذِ.
قَالَ
أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَرْهَدٍ، وَمُحَمَّدِ
بْنِ جَحْشٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «الفَخِذُ
عَوْرَةٌ».
وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: حَسَرَ النَّبِيُّ
ﷺ عَنْ فَخِذِهِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَحَدِيثُ أَنَسٍ
أَسْنَدُ، وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ أَحْوَطُ حَتَّى يُخْرَجَ مِنَ اخْتِلاَفِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو مُوسَى: غَطَّى النَّبِيُّ ﷺ
رُكْبَتَيْهِ حِينَ دَخَلَ عُثْمَانُ.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: أَنْزَلَ اللَّهُ
عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي،
فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي.
الشرح:
قوله:
(باب ما يذكر في الفخذ) أي: في حكم الفخذ، وللكشميهني "من الفخذ".
قوله:
(قال أبو عبد الله) هو المصنف وسقط من رواية الأكثر.
قوله:
(ويروى عن ابن عباس) وصله الترمذي وفي إسناده أبو يحيى القتات بقاف ومثناتين، وهو
ضعيف مشهور بكنيته، واختلف في اسمه على ستة أقوال أو سبعة أشهرها دينار.
قوله:
(وجرهد) بفتح الجيم وسكون الراء وفتح الهاء وحديثه موصول عند مالك في الموطأ،
والترمذي وحسنه وابن حبان وصححه، وضعفه المصنف في التاريخ للاضطراب في إسناده وقد
ذكرت كثيرًا من طرقه في تغليق التعليق.
قوله:
(ومحمد بن جحش) هو محمد بن عبد الله بن جحش نسب إلى جده له ولأبيه عبد الله صحبة
وزينب بنت جحش أم المؤمنين هي عمته، وكان محمد صغيرًا في عهد النبي ﷺ،
وقد حفظ عنه وذلك بين في حديثه هذا فقد وصله أحمد والمصنف في التاريخ، والحاكم في
المستدرك، كلهم من طريق إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبي كثير مولى
محمد بن جحش عنه قال: مر النبي ﷺ وأنا معه على معمر وفخذاه مكشوفتان
فقال: «يا معمر غط عليك فخذيك فإن الفخذين عورة» رجاله رجال الصحيح غير أبي كثير
فقد روى عنه جماعة لكن لم أجد فيه تصريحًا بتعديل، ومعمر المشار إليه هو معمر بن
عبد الله بن نضلة القرشي العدوي وقد أخرج ابن قانع هذا الحديث من طريقه أيضًا،
ووقع لي حديث محمد بن جحش مسلسلًا بالمحمدين من ابتدائه إلى انتهائه وقد أمليته في
الأربعين المتباينة.
قوله:
(وقال أنس حسر) بمهملات مفتوحات، أي: كشف وقد وصل المصنف حديث أنس في الباب كما
سيأتي قريبًا.
قوله:
(وحديث أنس أسند) أي: أصح إسنادًا، كأنه يقول حديث جرهد ولو قلنا بصحته فهو مرجوح
بالنسبة إلى حديث أنس.
قوله:
(وحديث جرهد) أي: وما معه (أحوط) أي: للدين وهو يحتمل أن يريد بالاحتياط الوجوب أو
الورع وهو أظهر لقوله (حتى نخرج من اختلافهم) و (نخرج) في روايتنا مضبوطة بفتح
النون وضم الراء وفي غيرها بضم الياء وفتح الراء.
قوله:
(وقال أبو موسى) أي: الأشعري والمذكور هنا من حديثه طرف من قصة أوردها المصنف في
المناقب من رواية عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي عنه فذكر الحديث وفيه "أن
النبي ﷺ كان قاعدًا في مكان فيه ماء قد
انكشف عن ركبتيه أو ركبته فلما دخل عثمان غطاها" وعرف بهذا الرد على الداودي
الشارح حيث زعم أن هذه الرواية المعلقة عن أبي موسى وهم وأنه دخل حديث في حديث
وأشار إلى ما رواه مسلم من حديث عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ
مضطجعًا في بيتي كاشفًا عن فخذيه أو ساقيه" الحديث. وفيه: "فلما استأذن
عثمان جلس" وهو عند أحمد بلفظ: "كاشفًا عن فخذه" من غير تردد، وله
من حديث حفصة مثله وأخرجه الطحاوي والبيهقي من طريق ابن جريج، قال: أخبرني أبو
خالد عن عبد الله بن سعيد المدني حدثتني حفصة بنت عمر قالت: "كان رسول الله ﷺ
عندي يومًا وقد وضع ثوبه بين فخذيه فدخل أبو بكر" الحديث.
وقد
بان بما قدمناه أنه لم يدخل على البخاري حديث في حديث بل هما قصتان متغايرتان في
إحداهما كشف الركبة وفي الأخرى كشف الفخذ، والأولى من رواية أبي موسى وهي المعلقة
هنا والأخرى من رواية عائشة ووافقتها حفصة، ولم يذكرهما البخاري.
قوله:
(وقال زيد بن ثابت) هو أيضًا طرف من حديث موصول عند المصنف في تفسير سورة النساء
في نزول قوله تعالى: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} الآية [النساء: ٩٥] وقد اعترض الإسماعيلي استدلال
المصنف بهذا على أن الفخذ ليست بعورة؛ لأنه ليس فيه التصريح بعدم الحائل، قال ولا
يظن ظان أن الأصل عدم الحائل؛ لأنا نقول العضو الذي يقع عليه الاعتماد يخبر عنه؛
لأنه معروف الموضع بخلاف الثوب انتهى. والظاهر أن المصنف تمسك بالأصل، والله أعلم.
الحمد لله رب العالمين
اللهُم ارحم مَوتانا مِن المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ جَنّات النَعيمْ
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال
