شرح حديث/ ذكرت شيئا من تبر عندنا

شرح حديث/ ذكرت شيئا من تبر عندنا
المؤلف احمد خليل
تاريخ النشر
آخر تحديث

باب المبادرة إلى الخيرات

لفضيلة الدكتور خالد بن عثمان السبت
شرح – حديث - ذكرت – شيئا – من – تبر - عندنا

شرح حديث/ ذكرت شيئا من تبر عندنا


أحاديث رياض الصالحين: باب المبادرة إلى الخيرات

 

٨٩- عن أبي سروعة -بكسر السين المهملة وفتحها- عقبة بن الحارث -رضي الله عنه- قال: صَلَّيْتُ ورَاءَ النبيِّ بالمَدِينَةِ العَصْرَ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا، فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إلى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِن سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ عليهم، فَرَأَى أنَّهُمْ عَجِبُوا مِن سُرْعَتِهِ، فَقالَ: «ذَكَرْتُ شيئًا مِن تِبْرٍ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أنْ يَحْبِسَنِي، فأمَرْتُ بقِسْمَتِهِ» رواه البخاري.

وفي رواية له: «كنت خلفت في البيت تبرا ً من الصدقة؛ فكرهت أن أبيته».

(التبر) قطع ذهب أو فضة

الشرح:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

"قام مسرعًا" يعني: كأنه غير عادته فلم يتمهل، وكان يأمر أصحابه -رضي الله عنهم- أن يتأخروا في الخروج من المسجد من أجل أن يخرج النساء قبلهم، فبادر النبي إلى الخروج قبلهم حتى إنه احتاج إلى أن يتخطى رقابهم، وهذا التخطي في هذه الحالة -مع أن تخطي الرقاب منهي عنه- يدل على أن أمرًا في غاية الأهمية حمل النبي على هذا الإسراع، يقول: "فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، خافوا لَابُدّ أن هناك من الأمور المهمة المزعجة ما حمله على هذا الإسراع، فخرج عليهم فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته فقال مبينًا لهم سبب هذا الإسراع والمبادرة: ذكرت شيئًا من تِبر عندنا.

 

يعني: أنه تذكر ذهبًا عنده في بعض حجر نسائه، التبر هو الذهب، وبعضهم يقول: هو الذهب الذي لم يُصغ، وإنما هو قطع من الذهب، أو الذهب الخام، فالحاصل أنه ذهب غير مصوغ، فرأى أنهم قد عجبوا قال: «ذكرت شيئًا من تبر عندنا، فكرهت أن يحبسني، فأمرت بقسمته» رواه البخاري.

 

"كرهت أن يحبسني" يحتمل أن يكون المعنى كره أن يشغله التفكير فيه، فيكون ذلك صرفًا له عما هو بصدده من ذكر الله والتقرب إليه، وإقبال القلب عليه سبحانه وتعالى، فيكون القلب مشغولاً بهذا الذهب، وقد يكون المراد فكرهت أن يحبسني أي: أن هذا مال لا يحق حبسه، فإذا حبسه العبد وأخره عن المحتاجين فإن ذلك قد يكون سببًا لمحاسبة العبد، والنبي قال: «الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا».

 

فالحاصل أن الإنسان يطول حسابه بقدر ما عنده من الأموال والأملاك وما أشبه ذلك؛ لأنه يحاسب عن أشياء كثيرة جدًّا، بخلاف الذي يأتي وليس عنده شيء كثير فحسابه ينتهي سريعًا.

 

يقول: «فكرهت أن يحبسني فأمرت بقسمته» رواه البخاري، وفي رواية له: «كنت خلَّفت في البيت تبرًا من الصدقة فكرهت أن أبيته» كره أن يبيته: يعني أن يبيت عنده، وإذا كان هذا من الصدقة بمعنى الزكاة فإن هذا أيضاً يدل على أن الزكاة لا يجوز تأخيرها بحال من الأحوال، ينبغي أن توصل إلى المحتاجين، وإنما يجوز التأخير في حالة، وهي ما إذا كان الذي ستعطى له الزكاة غائبًا كأن يكون هذا المال ألفًا، أو أقل أو أكثر لفلان سيعطى له زكاة؛ لأنه محتاج وبحثنا عن هذا الإنسان فقيل: مسافر سيأتي بعد أسبوع، سيأتي بعد عشرة أيام فعندئذ يجوز لنا أن نؤخر حتى يأتي، لكن لا يجوز للإنسان أن يؤخرها ويقول: حتى أتفرغ، حتى أثمر هذا المال، وكذلك لا يجوز له أن يؤخر فيقول: أنا سأؤخرها إلى رمضان، وهي قد حلت الآن، وكذلك أيضاً ليس له أن يؤخرها بمعنى أن يقول: أنا سأقسط هذه الزكاة على الفقير بدلاً من أن تضيع، أنا سأعطي كل شهر ألف ريال فبدلاً من أن أعطيه اثني عشر ألفًا دفعة واحدة أنا سأعطيه كل شهر ألف، فيستغني طول السنة، نقول: ليس لك ذلك، وإنما هذا يكون لوكيل الفقير، إذا ما تعطي الفقير اطلب منه أن يوكل إنسانًا ينوب عنه فتعطيها له وتتفق مع هذا الوكيل تقول: انظر إلى المصلحة فقسط هذا المال عليه، اشترِ به أغراضًا أو نحو هذا لهذا الفقير، لكن لا تذهب أنت بمال الزكاة وتذهب وتشتري له متاعًا وثيابًا وطعامًا، الزكاة أمرها ليس بالسهل، ففرق بين وكيلك أنت -تعطي واحدًا تقول: وصلها لفلان أو الفقير- هذا بمقامك لا يؤخرها أيضاً، ولكن وكيل الفقير يمكن أن يعطى ويقسط على الفقير، ولذلك الجمعيات الخيرية لا يجوز لها أن تستثمر أموال الزكاة تضعها في مشاريع استثمارية، أو في أسهم أو في عمائر تؤجر أو في غير ذلك من وسائل التثمير، الزكاة يجب أن تصل إلى الفقراء والمحتاجين والمستحقين، لكن يمكن أن يعطى هذا المال لوكيل لهم، بمعنى أنه لو مجموعة من الفقراء مثلاً في البلد وكلوا الجمعية، أو وكلوا إنسانًا وقالوا له: استثمر لنا هذا المال أو قسطه علينا على الشهور والأيام فهذا الأمر يكون لا إشكال فيه، أما أن يقوم وكيل المتصدق بالتصرف بهذا المال وتأخيره فليس له ذلك.

 

المقصود من هذا أن الإنسان يبادر، والله عزَّ وجلَّ ذكر قومًا يتندمون عند موتهم وهم الذين يؤخرون حقوق الله عزَّ وجلَّ، كما قال الله عزَّ وجلَّ: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ} [المنافقون: ١٠]، فيقول ابن عباس رضي الله عنه: "ما من أحد يكون عنده حق لله تعالى من مال زكاة أو نحو هذا ويأتيه الموت إلا وندم، ويتمنى الرجعة"، فقالوا له: اتقِ الله يا ابن عباس لا يتمنى الرجعة أحد له نصيب عند الله، فقال: اقرءوا إن شئتم هذه الآية.

فنسأل الله عزَّ وجلَّ أن يرزقنا وإياكم الهدى والسداد، والغنى والعفاف، وأن يرحم موتانا ويشفي مرضانا، وأن يعافي مبتلانا، وأن يجعل آخرتنا خيرًا من دنيانا، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.


الحمد لله رب العالمين

اللهُم ارحم مَوتانا مِن المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ جَنّات النَعيمْ

تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال

تعليقات

عدد التعليقات : 0