كتاب الأمور المنهي عنها: باب النَّهي عن إتيان الكُهَّان والمُنَجِّمين والعُرَّاف وأصحاب الرَّمْل والطَّوارق بالحصى وبالعشير ونحو ذلك
شرح العلامة
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
شرح حديث/ من اقتبس علما من النجوم
أحاديث رياض الصالحين: باب النَّهي عن إتيان
الكُهَّان والمُنَجِّمين والعُرَّاف وأصحاب الرَّمْل والطَّوارق بالحصى
وبالعشير ونحو ذلك.
١٦٨٠ - وعَن ابْنِ عبَّاسٍ -رضي اللَّه
عنْهُما- قَالَ: قَال رَسُولُ اللَّه ﷺ: «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً
مِنَ السِّحْرِ، زَادَ ما زَاد» رَوَاهُ أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ.
١٦٨١
- وعَنْ معاويَةَ بنِ الحَكَم -رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- قَال: قُلْتُ: يا رسُول
اللَّه، إنِّي حَدِيثُ عهْدٍ بِجاهِليَّةٍ، وقدْ جَاءَ اللَّه تَعَالَى
بالإِسْلام، وإنَّ مِنَّا رِجَالًا يأتُونَ الْكُهَّانَ؟ قَال: «فَلا تَأْتِهِم»، قُلْتُ: وَمِنَّا رجالٌ يتطيَّرون،
قال: «ذلك شيءٌ يجدونه في صدورهم، فلا يصدّهم»،
قلت: ومنا رجال يخُطُّون؟ قال: «كان نبيٌّ من
الأنبياء يَخُطُّ، فمَن وافق خطّه فذاك» رواه مسلم.
١٦٨٢
- وعن أبي مسعودٍ البدري -رَضِيَ اللَّه عَنْهُ- أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن: "ثمن
الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن" متفق عليه.
الشيخ:
الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول
الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث من بقية الأحاديث الدالة
على التحذير من إتيان الكهّان والسَّحرة والمنجمين وتصديقهم، وأن الواجب الحذر
منهم، وعدم تصديقهم، وعدم إتيانهم، وأن الواجب على ولاة الأمور الأخذ عليهم
واستتابتهم، فإن تابوا وإلا عُومِلوا بما يستحقّون من قتلٍ وغيره.
من ذلك: قوله ﷺ: «مَن اقتبس شُعبةً من النجوم فقد اقتبس شعبةً من السِّحْر،
زاد ما زاد» يعني: كلما زاد في تعلم النجوم للتأثير زاد فيما يتعلق بالسحر
والتلبيس على الناس، فالواجب الحذر من ذلك، وألا يتعلم هذه الأشياء التي يتعلق بها
السحرة والمنجِّمون، أمَّا تعلم المنازل لمعرفة الأوقات فهذا لا بأس به، كونه
يتعلم سير الشمس والقمر والنجوم لتعلم الطّرقات والمياه والبلدان فلا بأس، كما قال
جل وعلا: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ
لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام: ٩٧]،
وقال تعالى: {وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ
يَهْتَدُونَ} [النحل: ١٦] يعني: يهتدي بها المسافرون في جهات البلدان،
وجهات المياه، وجهات الطرقات، أما تعلمها للتأثير وأنه يقع كذا ويصير كذا فهذا هو
التنجيم المحرم، وهذا من شعب السحر.
وفي الحديث الثاني -حديث معاوية بن
الحكم- أنه قيل: يا رسول الله، عندنا أناسٌ يدعون الكُهَّان، قال: «لا تأتوهم»، قال: ومنا أناسٌ يتطيَّرون؟ قال: «ذاك شيءٌ يجده أحدُكم في صدره، فلا يصدّنكم» يعني:
هذه التي يجدها الناس من التطير والتشاؤم هذا شيءٌ لا حقيقة له، إنما هو شيء يجده
في نفسه، فليس عند الطير أو الكلب الذي رآه أو الحمار لا خير ولا شرّ، ولكن
الجاهلية عندهم العقول الضعيفة والتشبه بالأشياء التي لا حقيقة لها؛ فلهذا يتطيرون
إذا رأوا شيئًا لا يُناسبهم ويتشاءمون ويتركون السفر الذي أرادوا أن يُسافروه، كل
ذلك من أجل التشاؤم.
وفي الحديث الصحيح لما ذُكرت عند رسول
الله ﷺ
قال: «أحسنها الفَأْلُ، ولا تردّ مسلمًا، فإذا رأى
أحدُكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتِي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئاتِ إلا
أنت، ولا حول ولا قوةَ إلا بك».
وفي حديث عبد الله بن عمرو: «اللهم لا خيرَ إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك».
فلا ينبغي لعاقلٍ أن تصدّه هذه
التَّشاؤمات، بل يحذرها ولا يلتفت إليها، ويتوكل على الله ويمضي في حاجته ولا يبالي،
ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ويُسمِّي الله، والحمد لله.
كان النبيُّ ﷺ يحثُّ الخارجَ من بيته
أن يقول: «بسم الله، توكلتُ على الله، لا حول ولا
قوةَ إلا الله، اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ،
أو أَظْلِمَ أو أُظْلَمَ، أو أَجْهَل أو يَجْهَل عليَ»، هذا يُستحب قوله
لمن خرج من البيت للصلاة وغيرها.
كذلك حديث أبي مسعود: "نهى عن ثمن
الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن"، فالكلاب لا يجوز بيعها، فالرسول نهى عن
ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن، وقال ﷺ: «ثمن الكلب خبيثٌ، وكسب الحجَّام خبيثٌ»، فالواجب
الحذر من ذلك، فلا يجوز بيع الكلاب.
ومهر البغي -وهي الزانية- ما تُعْطَى من
المال، فهذا عِوَضٌ حرام؛ لأنه في مقابل حرامٍ، يُسمَّى مهرًا وهو محرَّمٌ، ولهذا
سمَّاه النبيُّ ﷺ
خبيثًا، ونهى عنه؛ لأنه وسيلة إلى الزنا، فهو يُعطيها المال حتى تُمكنه من الزنا،
فهو حرام عليها، وحرام عليه.
وهكذا حلوان الكاهن، وهو ما يُعطاه
الكاهن حتى يُخبر عن بعض المغيبات، يُعطونه أموالًا فيُخبرهم: أيش سفر فلان؟ وأيش
ولد فلان؟ وأيش يأتي فلان؟ وأيش عند فلان؟ هكذا يفعل السُّفهاء والجهلة، فيأتون
الكُهَّان ويقولون لهم: نُعطيكم كذا وكذا وتُعْلِمُونا: أيش يقع كذا؟ وأيش صار
كذا؟ فيكذبون لهم ما يشاءون حتى يأكلوا أموالهم.
الحمد لله رب العالمين
اللهُم ارحم مَوتانا مِن المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ
جَنّات النَعيمْ
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال
