شرح حديث/ ألا تسمعون إن اللَّه لا يعذب بدمع العين

شرح حديث/ ألا تسمعون إن اللَّه لا يعذب بدمع العين
المؤلف احمد خليل
تاريخ النشر
آخر تحديث

 كتاب الأمور المنهي عنها: باب تحريم النياحة على الميت ولطم الخدِّ وشقِّ الجيب ونتف الشعر وحلقه والدعاء بالويل والثّبور.

شرح العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز

شرح – حديث – ألا – تسمعون – إن – اللَّه – لا – يعذب – بدمع - العين

شرح حديث/ ألا تسمعون إن اللَّه لا يعذب بدمع العين

أحاديث رياض الصالحين: باب تحريم النياحة على الميت ولطم الخدِّ وشقِّ الجيب ونتف الشعر وحلقه والدعاء بالويل والثّبور.

١٦٦٩- وعَن المُغِيرةِ بنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «مَنْ نِيحَ عَليْهِ فَإنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ علَيْهِ يَوْمَ الْقِيامةِ» [١] متفقٌ عليه.
١٦٧٠- وعَنْ أمِّ عَطِيَّةَ نُسَيْبَةَ رضي اللَّه عَنْهَا، قَالَتْ: "أخَذَ عَلَينَا رَسُولُ اللَّهِ عِنْدَ البَيْعة ألَّا نَنُوح" [٢] متفقٌ عليه.
١٦٧١- وَعَنِ النُّعْمانِ بنِ بشيرٍ رضي اللَّه عنْهُمَا، قَالَ: أُغْمِيَ علَى عبْدِ اللَّه بنِ رَواحَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ تَبْكِي وتَقُولُ: واجبلاهُ! وا كذَا! وا كَذَا! تُعدِّدُ علَيْهِ، فقَال حِينَ أفَاقَ: مَا قُلْتِ شيْئًا إلَّا قِيل لِي: أنْتَ كَذَلِكَ؟ [٣] رواهُ البُخَارِي.
١٦٧٢- وَعَن ابن عُمر رضي اللَّه عنْهُمَا، قَال: اشْتَكَى سعْدُ بنُ عُبادَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، شَكْوَى، فَأَتَاهُ رسُولُ اللَّه يعُودُهُ معَ عبْدِ الرَّحْمنِ بنِ عوْفٍ وسَعْدِ بنِ أَبي وقَّاص وعبْدِ اللَّه بن مسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم، فَلَمَّا دخَلَ عليْهِ وجدهُ في غَشْيةٍ، فَقالَ: «أَقَضَى؟» قَالُوا: لا يا رسُولَ اللَّه، فَبَكَى رسُولُ اللَّه ، فَلمَّا رَأى الْقَوْمُ بُكاءَ النَّبيِّ بَكَوْا، قَالَ: «ألا تَسْمعُون؟ إنَّ اللَّهُ لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، ولَكِنْ يُعذِّبُ بِهذَا -وَأشَارَ إلَى لِسانِهِ- أوْ يَرْحَمُ» [٤] متفقٌ عليه.


الشيخ:

الحمد لله، وصلَّ الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الأربعة تُبين شدة تحريم النياحة، وأن الميت يُعذَّب بذلك، فالواجب الحذر منها، والنياحة هي: الصياح -رفع الصوت- والندب للميت والدعاء بدعوى الجاهلية: وا عضداه، وا ناصراه، وا انقطاع ظهراه، وما أشبه ذلك، هذه لا تجوز، هذه نياحة، والميت يتأذَّى بها ويُعذَّب بها، ولهذا تقدم في حديث عمر أنه سمع النبيَّ يقول: «الميت يُعَذَّب بما نِيحَ عليه»، وهكذا روى المغيرةُ أنه سمع النبيَّ يقول: «إنَّ الميت يُعذَّب بالنياحة عليه».


فالواجب على أهل الميت وأقاربه وأصدقائه الحذر من ذلك، وقد أخذ النبيُّ على النساء يوم البيعة: ألا يَنُحْنَ، في البيعة بايعهن وعاهدن على ألا يَنُحْنَ على موتاهنَّ. ولما أُغشي على عبد الله بن رواحة ضجَّ أهلُه، ظنوا أنه مات، فجعل بعضُهم يَنُحْنَ، فلما أفاق قال: "ما قلتم شيئًا إلا قيل لي: أنت كذلك؟ أنت كذلك؟".


فهذا يدل على أنَّ الواجب على أقارب الميت وأصحابه الحذر من النياحة التي كان يعتادها أهلُ الجاهلية ويتعاونون فيها، أما البكاء فلا بأس به، بكاء العين، حزن القلب، التَّأثُّر، كل هذا لا بأس به، كما في الحديث الرابع: أن النبي زار سعدَ بن عبادة وقد أصابه مرضٌ، فزاره يعوده، ومعه سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- فلما دخل عليه البيت وجده في غشيةٍ، يعني: في إغماء، فقال: «أقضى؟» يعني: أتُوُفِّيَ؟ قالوا: لا، فدمعت عيناه وبكى، فلما رأوه يبكي بكوا، فقال : «ألا تسمعون؟ إنَّ الله لا يُعَذِّب بدمع العين، ولا بحزن القلب، وإنما يُعَذِّب بهذا أو يرحم» يعني: اللسان، النياحة برفع الصوت.


وهكذا لما مات ابنه إبراهيم قال عليه الصلاة والسلام: «القلب يحزن، والعين تدمع، ولا نقول إلا ما يُرضي الرب، وإنا بفُراقك يا إبراهيم لمحزونون»، فدمع العين وحزن القلب لا بأس به، لكن لا يرفع الصوت، لا ينوح، فالنياحة هي المحرمة. وفَّق الله الجميع.


[١] صحيح البخاري: (١٢٩١)، مسلم: (٩٣٣).

[٢] صحيح البخاري: (١٣٠٦)، مسلم: (٩٣٦).

[٣] صحيح البخاري: (٤٢٦٧).

[٤] صحيح البخاري: (١٣٠٤)، مسلم: (٩٢٤).



الحمد لله رب العالمين

اللهُم ارحم مَوتانا مِن المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ جَنّات النَعيمْ

تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال

تعليقات

عدد التعليقات : 0