ساعة الاستجابة في يوم الجمعة

ساعة الاستجابة في يوم الجمعة
المؤلف احمد خليل
تاريخ النشر
آخر تحديث

كتاب الفضائل باب فضل يوم الجمعَة ووُجوبها والاغتِسال لَهَا والتطيّب والتبكير إِلَيْهَا والدعاء يوم الجمعة والصلاة عَلَى النبيّ فيه وبيان ساعة الإجابة واستحباب إكثار ذكر الله بعد الجمعة

شرح / أبو الهيثم محمد درويش

ساعة – الاستجابة – في – يوم - الجمعة

ساعة الاستجابة في يوم الجمعة


أحاديث رياض الصالحين: باب فضل يوم الجمعَة ووُجوبها والاغتِسال لَهَا والتطيّب والتبكير إِلَيْهَا.

 

١١٦٣ - وعَن أبي هريرة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ذَكَرَ يَوْمَ اَلْجُمْعَة، فَقَالَ: «فِيه سَاعَةٌ لا يُوَافِقها عَبْدٌ مُسلِمٌ، وَهُو قَائِمٌ يُصَلِّي يسأَلُ اللَّه شَيْئًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاه» وَأَشَارَ بِيدِهِ يُقَلِّلُهَا. متفقٌ عليه.

 

الشرح:

وقد اختلف الناس في هذه الساعة: هل هي باقية أو قد رفعت؟ على قولين، حكاهما ابن عبد البر وغيره، والذين قالوا: هي باقية ولم ترفع، اختلفوا هل هي في وقت من اليوم بعينه، أم هي غير معينة؟ على قولين. ثم اختلف من قال بعدم تعيينها: هل هي تنتقل في ساعات اليوم، أولا؟ على قولين أيضا، والذين قالوا بتعيينها، اختلفوا على أحد عشر قولا.

 

قال ابن المنذر: روينا عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: هي من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس.

الثاني: أنها عند الزوال، ذكره ابن المنذر عن الحسن البصري، وأبي العالية.

الثالث: أنها إذا أذن المؤذّن بصلاة الجمعة، قال ابن المنذر: روينا ذلك عن عائشة -رضي الله عنه.

الرابع: أنها إذا جلس الإمام على المنبر يخطب حتى يفرغ قال ابن المنذر: رويناه عن الحسن البصري.

الخامس: قاله أبو بردة: هي الساعة التي اختار الله وقتها للصلاة.

السادس: قاله أبو السوار العدوي، وقال: كانوا يرون أن الدعاء مستجاب ما بين زوال الشمس إلى أن تدخل الصلاة.

السابع: قاله أبو ذر: إنها ما بين أن ترتفع الشمس شبرا إلى ذراع.

الثامن: أنها ما بين العصر إلى غروب الشمس، قاله أبو هريرة، وعطاء، وعبد الله بن سلام، وطاووس، حكى ذلك كله ابن المنذر.

التاسع: أنها آخر ساعة بعد العصر، وهو قول أحمد، وجمهور الصحابة، والتابعين.

العاشر: أنها من حين خروج الإمام إلى فراغ الصلاة، حكاه النووي وغيره.

الحادي عشر: أنها الساعة الثالثة من النهار حكاه صاحب (المغني) فيه، وقال كعب: لو قسم الإنسان جمعة في جمع، أتى على تلك الساعة. وقال عمر: إن طلب حاجة في يوم ليسير.

 

وأرجح هذه الأقوال: قولان تضمنتهما الأحاديث الثابتة، وأحدهما أرجح من الآخر.

الأول: أنها من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة، وحجة هذا القول ما روى مسلم في (صحيحه) من حديث أبي بردة بن أبي موسى، أن عبد الله بن عمر قال له: أسمعت أباك يحدّث عن رسول الله في شأن ساعة الجمعة شيئا؟ قال: نعم سمعته يقول: سمعت رسول الله يقول: «هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصّلاة».

وروى ابن ماجه، والترمذي، من حديث عمرو بن عوف المزني، عن النبي قال: «إنّ في الجمعة ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلاّ آتاه الله إياه» قالوا: يا رسول الله! أيّة ساعة هي؟ قال: «حين تقام الصّلاة إلى الانصراف منها».

 

والقول الثاني: أنها بعد العصر، وهذا أرجح القولين، وهو قول عبد الله بن سلام، وأبي هريرة، والإمام أحمد، وخلق. وحجة هذا القول ما رواه أحمد في (مسنده) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة، أن النبي قال: «إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلاّ أعطاه إيّاه وهي بعد العصر».

وروى أبو داود والنسائي، عن جابر، عن النبي قال: «يوم الجمعة اثنا عشر ساعة، فيها ساعة لا يوجد مسلم يسأل الله فيها شيئا إلاّ أعطاه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر».

وروى سعيد بن منصور في (سننه) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن ناسا من أصحاب رسول الله اجتمعوا، فتذاكروا الساعة التي في يوم الجمعة، فتفرّقوا ولم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة.

وفي (سنن ابن ماجه): عن عبد الله بن سلام، قال: قلت ورسول الله جالس: إنّا لنجد في كتاب الله (يعني التوراة) في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله عزّ وجلّ شيئا إِلَّا قضى الله له حاجته قال عبد الله: فأشار إلى رسول الله أو بعض ساعة. قلت: صدقت يا رسول الله، أو بعض ساعة. قلت: أيّ ساعة هي؟ قال: «هي آخر ساعة من ساعات النّهار». قلت: إنها ليست ساعة صلاة، قال: «بلى إن العبد المؤمن إذا صلّى، ثم جلس لا يجلسه إلا الصلاة، فهو في صلاة».

 

وفي مسند أحمد من حديث أبي هريرة، قال: قيل للنبي : لأي شيء سمّي يوم الجمعة؟ قال: «لأنّ فيها طبعت طينة أبيك آدم، وفيها الصّعقة والبعثة، وفيها البطشة، وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له».

وفي سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «خير يوم طلعت فيه الشّمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابّة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة، من حين تصبح حتى تطلع الشّمس شفقا من السّاعة، إلا الجنّ والإنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلّي يسأل الله عزّ وجلّ حاجة إلا أعطاه إيّاها» قال كعب: ذلك في كلّ سنة يوم؟ فقلت: بل في كل جمعة قال: فقرأ كعب التوراة، فقال: صدق رسول الله .

قال أبو هريرة: ثمّ لقيت عبد الله بن سلام، فحدثته بمجلسي مع كعب، فقال عبد الله بن سلام: وقد علمت أيّة ساعة هي. قال أبو هريرة فقلت: أخبرني بها، فقال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة من يوم الجمعة، فقلت كيف هي آخر ساعة من يوم الجمعة، وقد قال رسول الله : «لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلّي» وتلك السّاعة لا يصلّى فيها؟ فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله : «من جلس مجلسا ينتظر الصلاة، فهو في صلاة حتّى يصلّي؟» قال: فقلت بلى. فقال: هو ذاك قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وفي الصحيحين بعضه.

 

وأما من قال إنّها من حين يفتتح الإمام الخطبة إلى فراغه من الصلاة، فاحتج بما رواه مسلم في صحيحه، عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، قال: قال عبد الله بن عمر: أسمعت أباك يحدّث عن رسول في شأن ساعة الجمعة؟ قال: قلت نعم سمعته يقول: سمعت رسول الله يقول: «هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن يقضي الإمام الصلاة».

 

وأما من قال: هي ساعة الصلاة، فاحتج بما رواه الترمذي، وابن ماجه، من حديث عمرو بن عوف المزني، قال: سمعت رسول الله يقول: «إنّ في الجمعة لساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلاّ آتاه الله إيّاه» قالوا: يا رسول الله أية ساعة هي؟ قال: «حين تقام الصّلاة إلى الانصراف منها» ولكن هذا الحديث ضعيف، قال أبو عمر بن عبد البر: هو حديث لم يروه فيما علمت إلا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، وليس هو ممن يحتجّ بحديثه.

 

وقد روى روح بن عبادة، عن عوف، عن معاوية بن قرة، عن أبي بردة عن أبي موسى، أنه قال لعبد الله بن عمر: هي الساعة التي يخرج فيها الإمام إلى أن تقضى الصلاة. فقال ابن عمر: أصاب الله بك.

وروى عبد الرحمن بن حجيرة، عن أبي ذر، أن امرأته سألته عن الساعة التي يستجاب فيها يوم الجمعة للعبد المؤمن، فقال لها: هي مع رفع الشمس بيسير، فإن سألتني بعدها، فأنت طالق. واحتج هؤلاء أيضا بقوله في حديث أبي هريرة "وهو قائم يصلّي" وبعد العصر لا صلاة في ذلك الوقت، والأخذ بظاهر الحديث أولى.

 

قال أبو عمر يحتج أيضا من ذهب إلى هذا بحديث علي، عن النبي أنه قال: «إذا زالت الشّمس، وفاءت الأفياء، وراحت الأرواح، فاطلبوا إلى الله حوائجكم، فإنّها ساعة الأوابين، ثم تلا: {فَإِنَّهُ كَانَ للأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء: ٢٥]».

وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: الساعة التي تذكر يوم الجمعة: ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. وكان سعيد بن جبير، إذا صلى العصر، لم يكلّم أحدا حتى تغرب الشمس، وهذا هو قول أكثر السلف، وعليه أكثر الأحاديث. ويليه القول: بأنها ساعة الصلاة، وبقية الأقوال لا دليل عليها.

 

وعندي: أن ساعة الصلاة ساعة ترجى فيها الإجابة أيضا، فكلاهما ساعة إجابة، وإن كانت الساعة المخصوصة هي آخر ساعة بعد العصر، فهي ساعة معينة من اليوم لا تتقدم ولا تتأخر، وأما ساعة الصلاة، فتابعة للصلاة تقدمت أو تأخرت؛ لأن لاجتماع المسلمين وصلاتهم وتضرّعهم وابتهالهم إلى الله تعالى تأثيرا في الإجابة، فساعة اجتماعهم ساعة ترجي في الإجابة، وعلى هذا تتفق الأحاديث كلها، ويكون النبي قد حضّ أمته على الدعاء والابتهال إلى الله تعالى في هاتين الساعتين.

ونظير هذا قوله وقد سئل عن المسجد الذي أسّس على التقوى، فقال: «هو مسجدكم هذا» وأشار إلى مسجد المدينة. وهذا لا ينفي أن يكون مسجد قباء الذي نزلت فيه الآية مؤسسا على التقوى، بل كلّ منهما مؤسس على التقوى.

 

وكذلك قوله في ساعة الجمعة: «هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تنقضي الصلاة» لا ينافي قوله في الحديث الآخر: «فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر». ويشبه هذا في الأسماء قوله : «ما تعدّون الرّقوب فيكم؟» قالوا: من لم يولد له، قال: «الرّقوب من لم يقدّم من ولده شيئا». فأخبر أن هذا هو الرّقوب، إذ لم يحصل له من ولده من الأجر ما حصل لمن قدّم منهم فرطا، وهذا لا ينافي أن يسمى من لم يولد له رقوبا.

ومثله قوله : «ما تعدّون المفلس فيكم؟» قالوا: من لا درهم له ولا متاع. قال: «المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، ويأتي وقد لطم هذا، وضرب هذا، وسفك دم هذا فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته» الحديث.

ومثله قوله : «ليس المسكين بهذا الطوّاف الّذي تردّه اللّقمة واللّقمتان، والتّمرة والتّمرتان، ولكنّ المسكين الّذي لا يسأل النّاس، ولا يتفطن له فيتصدّق عليه». وهذه الساعة هي آخر ساعة بعد العصر، يعظّمها جميع أهل الملل.

 

وعند أهل الكتاب هي ساعة الإجابة، وهذا مما لا غرض لهم في تبديله وتحريفه، وقد اعترف به مؤمنهم. وأما من قال بتنقلها، فرام الجمع بذلك بين الأحاديث، كما قيل ذلك في ليلة القدر، وهذا ليس بقوي، فإن ليلة القدر قد قال فيها النبي : «فالتمسوها في خامسة تبقى، في سابعة تبقى، في تاسعة تبقى»، ولم يجيء مثل ذلك في ساعة الجمعة.

وأيضا فالأحاديث التي في ليلة القدر، ليس فيها حديثّ صريح بأنها ليلة كذا وكذا، بخلاف أحاديث ساعة الجمعة، فظهر الفرق بينهما.

وأما قول من قال: إنها رفعت، فهو نظير قول من قال: إن ليلة القدر رفعت، وهذا القائل، إن أراد أنّها كانت معلومة، فرفع علمها عن الأمة، فيقال له: لم يرفع علمها عن كلّ الأمة، وإن رفع عن بعضهم، وإن أراد أن حقيقتها وكونها ساعة إجابة رفعت، فقول باطل مخالف للأحاديث الصحيحة الصريحة، فلا يعول عليه. والله أعلم.


الحمد لله رب العالمين

اللهُم ارحم مَوتانا مِن المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ جَنّات النَعيمْ

تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال

تعليقات

عدد التعليقات : 0