شرح
العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله
كتاب
الفضائل: باب
فضل يوم الجمعَة ووُجوبها والاغتِسال لَهَا والتطيّب والتبكير إِلَيْهَا
أحاديث رياض الصالحين: باب فضل يوم
الجمعَة ووُجوبها والاغتِسال لَهَا والتطيّب والتبكير إِلَيْهَا والدعاء يوم
الجمعة والصلاة عَلَى النبيّ ﷺ فيه وبيان ساعة
الإجابة واستحباب إكثار ذكر الله بعد الجمعة.
قَالَ الله تَعَالَى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ
وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ} [الجمعة: ١٠].
الشرح:
قال المؤلف رحمه الله تعالى، في كتابه (رياض
الصالحين) باب فضل الجمعة.
وذكر أشياء من خصائص يوم الجمعة، ويوم
الجمعة هو اليوم الذي بين الخميس والسبت، وهو اليوم الذي خصت به هذه الأمة، وأضل
الله عنه اليهود والنصارى، اليهود كان لهم السبت، والنصارى كان لهم الأحد، فكانوا
تبعا لنا مع أنهم قبلنا في الزمن، وهذا من فضائل هذه الأمة ولله الحمد، وهذا اليوم
هو يوم الخصائص، ويوم السبت والأحد ليس فيه خصائص، لكن ضل اليهود والنصارى عن يوم
الجمعة، فصار لنا ولله الحمد والمنة.
ويوم الجمعة له خصائص متعددة، ومن أحسن
من ذكرها ابن القيم رحمه الله، في "زاد المعاد" فليرجع إليه فإنه واف
شاف.
ثم صدر المؤلف رحمه الله، هذا الباب بقول
الله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ
فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ
كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، وكان هذا آخر آية سبقت وهو قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ
مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَٰلِكُمْ
خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا} [الجمعة:
٩].
فخاطب الله المؤمنين أن يتركوا البيع إذا
نودي للصلاة من يوم الجمعة، والمراد به النداء الثاني الذي يكون إذا حضر الإمام.
أما النداء الأول فإن عثمان بن عفان رضي الله عنه، لم كثر الناس في المدينة أمر أن
يؤذن أذان سابق ليستعد الناس للحضور فكان هذا من سُنّة الخليفة الراشد عثمان الذي
أمرنا باتباع سنته كما قال النبي ﷺ: «فعليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ
المَهْدِيِّينَ من بعدي»، ولقد ضل من قال إنه بدعة، وسفه الصحابة رضي الله
عنهم، وسفه الخليفة الراشد، ونحن نقول له: أنت المبتدع في هذا القول الذي ادعيت أن
هذا بدعة وكيف يكون بدعة، وقد سماه الرسول ﷺ سُنّة،
«وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ المَهْدِيِّينَ
من بعدي».
لكن هؤلاء سفهاء الأحلام وإن كانوا كبار
السن، كيف تضلل الصحابة رضي الله عنهم، بقائدهم عثمان بن عفان، وتدعي أنك أنت صاحب
السُنَّةِ؟ بل أنت صاحب البدعة في هذا القول.
يقول عزَّ وجلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ
مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ}، والمراد بذكر
الله: الخطبة والصلاة أما الخطبة فيذكر الله فيها بالتشهد وذكر الأحكام والموعظة
وغير ذلك، وأما ذكر الله في الصلاة فهذا ظاهر.
قوله: {وَذَرُوا
الْبَيْعَ} اتركوا البيع، ولهذا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة حرم البيع
إلا على من لا تجب عليه كالنساء مثلا، وأما من تجب عليه الجمعة فإنه يحرم عليه
البيع ولو باع لم يصح، حتى لو كان في طريقه إلى المسجد، وسمع أذان الجمعة ومعه
زميل له فتبايعا فإن البيع باطل لا ينتقل به المبيع إلى المشتري ولا الثمن إلى
البائع؛ لأنه باطل وكل شيء نهى الله عنه فهو باطل لقول النبي ﷺ: «من اشترطَ َشرطًا ليس في كتابِ اللهِ فهو باطلٌ»
[١].
قوله: {يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ
فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ} يشمل المسافر الذي في البلد إذا سمع
أذان الجمعة يجب أن يحضر الجمعة؛ لأنه مؤمن، فمن الذي أخرجه، فإذا قال أنا مسافر
قلنا ألست مؤمنا؟ فيقول: بلى إذا قال: بلى، قلنا اسمع: {يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ
فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ}،
يعني: خير لكم من البيع؛ لأن فيه إقامة شعيرة من شعائر الإسلام وقياما بواجب فهو
خير من البيع {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}، يعني:
إن كنتم من ذوي العلم فاعلموا أنه خير، والمراد بهذه الجملة الشرطية الحث على ترك
البيع والتوجه إلى الجمعة.
قوله: {فَإِذَا
قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ}، يعني: انتشروا في الأرض
وابتغوا من فضل الله في البيع والشراء، لكن لا يلهيكم ذلك عن ذكر الله.
ولهذا قال: {وَاذْكُرُوا
اللَّهَ كَثِيرًا}، يعني: لا تظنوا أنكم إذا فرغتم من ذكر الله في الخطبة
والصلاة أنكم انتهيتم من ذكر الله، لا، ذكر الله في كل حال وفي كل وقت وفي كل
مكان، قال الله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ
لِّأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: ١٩٠] من ذوي الألباب؟ {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا
وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل
عمران: ١٩١] فالحاصل أنه إذا قضيت الصلاة فلا جلوس بعدها ملزم، اخرج، ابتغ
الرزق، ابتغ من فضل الله، وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان إذا قدم الصلاة على البيع
والشراء ثم اشترى وباع بعد ذلك فإنه يرزق؛ لأنه قال: {وَابْتَغُوا
مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}،
وفي هذا إشارة إلى أنه لا خطبة بعد صلاة الجمعة؛ لأن الله قال: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ}
ما في خطبة ولا كلام ولا موعظة تكفي المواعظ التي في الخطبة التي قبل الصلاة والتي
كانت مشروعة في هدي النبي ﷺ.
ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله: إذا
تكلم أحد بعد الصلاة فلا تستمع له إلا أن يكون كتابا من السلطان؛ لأن الكتابات
الموجهة من السلطان لا بدَّ أن تستمعها الرعية؛ لأن السلطان له حق على الرعية
يوجهها ويدلها على الخير، أما غير ذلك من النصائح فإن في الخطبتين كفاية، خير
الهدي، هدي من؟ محمد ﷺ، ولم يكن
يخطب بعد الصلاة، ولم يرو عنه ذلك بحرف صحيح ولا ضعيف.
يوجد بعض الناس يتخذها سُنّة راتبة، كلما
انتهت صلاة الجمعة قام يتكلم، فتكون الجمعة فيها كم خطبة؟ ثلاث خطب، من أين هذا؟
أما لو طرأ أمر لا بدَّ منه، لو جاء كتاب من السلطان أو من نائب السلطان من أحد
الوزراء أو من غيرهم ممن له أن يتكلم، فهذا نعم، يقرأ على الناس ويسمع.
وقوله تبارك وتعالى: {لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} لعل هنا للتعليل وليست
للترجي، وكلما جاءتك لعل في كتاب الله فهي للتعليل؛ لأن الرجاء إنما يكون في شأن
من يتعسر عليه الأمر، وأما الرب عزَّ وجلَّ، فكل شيء يسير عليه، فإذا وجدت لعل في
القرآن فهي للتعليل مثل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن
قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: ١٨٣] وما أشبه ذلك.
قوله: {لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ}، يعني: لأجل أن تتقوا. و {لَّعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ}، يعني: لأجل أن تفلحوا.
رزقنا الله وإياكم الفلاح والصلاح
والإصلاح والهداية، نسأل الله أن يهدينا وأن يهدي لنا وأن يهدي بنا، إنه على كل
شيء قدير.
وأنبه على أنه لا يشتري المساويك، حتى
المساويك بعد نداء الجمعة الثاني لا يجوز بيعها ولا شراؤها ولذلك نبه صاحب
المساويك.
وأقول لك عبارة أحسن من المساويك جمع
(سيئ) لكن قل: أعواد الأراك، والله أعلم.
[١] ابن تيمية: مجموع الفتاوي (٥٨/٣١).
الْحمْد
لِلَّه ربِّ الْعالمين
اللَّهمَّ اِرْحم مَوْتَانا
مِن المسْلمين واجْمعْنَا بِهم فِي جَنَّات النَّعِيم
تَقبَل اَللَّه مِنَّا
ومنْكم صَالِح الأعْمال
