دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين باب في الأمر بالمعروف
شرح العلامة محمد على بن محمد بن علان رحمه الله
شرح
حديث / إن أول ما دخل النّقص على بني إسرائيل
أحاديث رياض الصالحين
باب
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحديث رقم 201
عن
ابن مسعود رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه ﷺ:
(إنّ أوّل ما دخل النّقص على بني إسرائيل أنّه كان
الرّجل يلقى الرّجل فيقول: يا هذا اتّق اللّه ودع ما تصنع فإنّه لا يحلّ لك، ثم
يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلمّا
فعلوا ذلك ضرب اللّه قلوب بعضهم ببعض» ثمّ قال: ﴿لُعِنَ
الَّذِينَ كَفَروا مِنْ بنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ داوُدَ وعِيسَى ابنِ
مَرْيمِ ذلِك بما عَصَوْا وكَانوا يعْتَدُونَ، كَانُوا
لا يَتَنَاهَوْنَ عنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما
كانُوا يَفْعلُون تَرى كثِيرًا مِنْهُمُ يَتَوَلَّوْنَ الَّذينَ كَفَرُوا
لَبِئْسَ مَا قَدَّمتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 78-81] ثمّ قال: كلاّ، واللّه لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر،
ولتأخذنّ على يد الظّالم، ولتأطرنّه على الحقّ أطرا، ولتقصرنّه على الحقّ قصرا، أو
ليضربنّ اللّه بقلوب بعضكم على بعض، ثمّ ليلعنكم كما لعنهم). رواه أبو
داود، والترمذي وقال: حديث حسن.
هذا
لفظ أبي داود
ولفظ
الترمذي قال رسول الله ﷺ: (لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا،
فجالسوهم في مجالسهم وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على
لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) فجلس رسول الله ﷺ وكان متكئا فقال: (لا
والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا)
قوله
"تأطروهم": أي تعطفوهم. "ولتقصرونه": أي لتحبسنه.
الشرح
عن
عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه -قال: قال رسول الله: (إن
أول ما دخل النقص) ما مصدرية: أي: أول دخوله (على
بني إسرائيل) في دينهم (أنه) أي: الشأن
(كان الرجل يلقى الرجل) الفاعل معصية (فيقول) معطوف على يلقى (يا
هذا اتق الله) أي: اجعل امتثال أمره واجتناب نهيه وقاية لك من عذابه (ودع) اترك (ما تصنع)
من المعاصي (فإنه) أي: ما تصنعه (لا يحل لك) لكونه من المحرمات (ثم يلقاه من الغد وهو على حاله) في المعصية (فلا يمنعه ذلك) أي: وجدان صاحبه ملازمًا على
المحرمات التي نهى عنها من (أن يكون أكيله)
أي: مواكله (وشريبه) أي: مشاربه (وقعيده) أي: مقاعده: أي لا يمنعه ملازمة صاحب لما
نهاه الله عنه وحرمه عليه من مصاحبته ومداخلته ومباسطته وهو مأمور بمهاجرته حينئذٍ
وترك ولائه إلا أن خاف محذورًا فيدا ريه ولا يباسطه ويداخله (فلما فعلوا ذلك) المذكور، وأتى فيه باسم الإشارة
الموضوع للبعيد تفخيمًا لما أتوا به وتشيعًا له، أو لأن اللفظ لما لم يبق زمانين
صار كالبعيد فأشير إليه بما يشار به إلى البعيد (ضرب
الله قلوب بعضهم ببعض) ثم قال: مستدلًا على عموم اللعنة لجميعهم بقوله تعالى:
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَروا مِنْ بنِي إِسْرَائِيلَ
عَلَى لِسَانِ داوُدَ وعِيسَى ابنِ مَرْيمِ﴾ قال أبو حيان في «النهر»: قال
ابن عباس: لعنوا بكل لسان على عهد موسى في التوراة وعلى عهد داود في الزبور وعلى
عهد عيسى في الإنجيل ولعن مبنى للمفعول حذف فاعله فيجوز أن يكون الفاعل غيره تعالى
كالأنبياء، والمراد باللسان الجارحة لا اللغة أي الناطق بلعنتهم هو لسان داود وعيسى
(ذلك) أي: اللعن كائن (بما عصوا) أي: بسبب عصيانهم، وذكر هذا على سبيل
التوكيد، وإلا فقد فهم سبب اللعنة بإسنادها إلى من تعلق بهذا الوصف الدالّ على العلية
وهو ﴿الَّذِينَ كَفَروا﴾ تقول كما رجم الزاني،
فتعلم أن سبب رجمه الزنى، كذلك اللعن سببه الكفر، ولكن أكد بذكره.
ثانيًا
في قوله: ﴿بما عَصَوْا﴾ أو ما مصدرية أي
بعصيانهم.
﴿وكَانوا يعْتَدُونَ﴾ يجوز أن يكون معطوفًا على عصوا
فيكون داخلًا في صلة «ما» أي: بعصيانهم وكونهم معتدين ويجوز أن يكون إخبارًا من
الله- تعالى -أن شأنهم الاعتداء ﴿كَانُوا لا
يَتَنَاهَوْنَ عنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ ظاهره التفاعل بمعنى الاشتراك: أي:
لا ينهي بعضهم بعضًا، وذلك أنهم جمعوا بين فعل المنكر والتجاهر به وعدم النهي عنه
والمعصية إذا فعلت وقدّرت على العبد ينبغي أن يسترها، فإذا فعلت جهرة وتواطئوا على
عدم إنكارها أو ما في معناها مما ذكر عن بني إسرائيل في الخير كان ذلك تحريضًا على
فعلها وسببًا مثيرًا لإفشائها ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا
يَفْعلُون﴾ تعجب من سوء فعالهم مؤكد باللام.
قال
في «الكشاف»: يا حسرة على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المنكر وقلة
عنايتهم به، كأنه ليس من خلة الإسلام مع ما يتلون من كتاب الله- تعالى -وما فيه من
المبالغات في هذا الباب ﴿تَرى﴾ بصرية ويحتمل
أن تكون قلبية ﴿كثِيرًا
مِنْهُم﴾ أي: بني إسرائيل ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذينَ كَفَرُوا﴾ قيل: المراد به
كعببن الأشرف وأصحابه الذين استجاشوا المشركين على رسول الله ﷺ ﴿لَبِئْسَ مَا
قَدَّمتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: لبئس سببًا قدموه ليردوا عليه يوم
القيامة ﴿أَن سَخِطَ اللَّهُ
عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾
هو المخصوص بالذم، والمعنى موجب سخط الله والخلود في العذاب أو علة الذم، والمخصوص
محذوف: أي: لبئس شيئًا ذلك لأن كسبهم السخط والخلود كذا في البيضاوي تبعًا
«للكشاف». وتعقبه في الإعراب الأول في «النهر» بأنه لا يأتي على مذهب سيبويه من أن
«ما» معرفة تامة بمعنى الشيء فعليه فالجملة بعد صفة للمخصوص المحذوف والتقدير:
ولبئس الشيء شيئًا قدمت لهم أنفسهم فيكون على هذا ﴿أَن سَخِطَ﴾ في موضع رفع
على البدل من المخصوص المحذوف أو على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي: هو أن سخط ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ﴾
يعني نبيهم. وإن كانت الآية في المنافقين فالمراد نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾
إذ الإيمان الصحيح يمنع ذلك ﴿وَلَٰكِنَّ
كَثِيرًا مِّنْهُمْ﴾ من ذلك
الكثير ﴿فَاسِقُونَ﴾ خارجون عن دينهم أو
تمردوا في النفاق: أي: وقليل منهم قد آمن (ثم قال): (كلا)
حقا (واللّه لتأمرنّ) بضم الراء (بالمعروف) شرعًا (ولتنهونّ)
بفتح الهاء وضم واو الجمع الفاعل (عن المنكر)
شرعًا (ولتأخذنّ) بضم الذال دليلًا على الواو
المحذوفة لالتقاء الساكنين (على يد الظالم)
بمنعه باليد من الظلم، وإن عجزتم فباللسان (ولتأطرنه)
بكسر الطاء وضم الراء: أي: لتردنه (على الحق)
أداء وأخذًا (أطرا) بفتح الهمزة وأصل الأطر
العطف. قال في «النهاية»: ومن غريب ما يحكى فيه عن نفطويه أنه قال بالظاء المعجمة
من باب ظأر، ومنه الظئر المرضعة، وجعل الكلمة مقلوبة فقدم الهمزة على الظاء (ولتقصرنه على الحق) أداء وأخذًا (قصرًا) أي: لتحبسنه عليه حبسًا وتمنعنه من مجاوزته:
أي: ليكونن منكم ما ذكر (أو ليضربنّ الله بقلوب بعضكم
على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم) فأو لأحد الأمرين: أي: ليكونن منكم ما
أمرتم به، أو ليكونن منكم ما حذرتم منه عند عدم فعل ذلك (رواه أبو داود) في
«الملاحم» (والترمذي) في «التفسير» وابن ماجه في «الفتن» (وقال) أي: الترمذي، حديث
حسن.
هذا
اللفظ المذكور (لفظ) رواية (أبي داود) فالإضافة إليه للملابسة (ولفظ) رواية
(الترمذي) من حديث ابن مسعود (فقال) أي: ابن مسعود (قال رسول الله: لما) وجودية (وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم) عنها (فلم ينتهوا) عنها فكان على العلماء هجرهم وبغضهم فيه
فلم يفعلوا ذلك بل حالفوهم كما قال (فجالسوهم في
مجالسهم وآكلوهم بالمد وشاربوهم) أي: جلسوا معهم وأكلوا وشربوا (فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم) أبعدهم (على لسان داود) بن إيشا (وعيسى
بن مريم) ذلك المذكور من اللعنة وضرب القلوب بعضها ببعض (بما عصوا وكانوا يعتدون) تقدم نظيره وظاهر جريانه
هنا وظاهر أنه على تقدير كون «وكانوا» خارجًا عن صلة «ما» فيكون من كلام النبي
لبيان أن الاعتداء وصفهم وشأنهم (فجلس رسول الله)تعظيمًا للأمر الصادر منهم
وتنبيهًا على فخامة شأنه ليتوجه إليه السامع (وكان متكئًا) يحتمل أن يكون على تكاة
وأن يكون على مرفقه والجملة حالية بتقدير قد (فقال لا) أي: لا يكفي مجرد النهي
باللسان مع القدرة على المنع باليد والقصر على الحق (والذي
نفسي بيده) أي: بقدرته (حتى تأطروهم)
أي: العصاة (على الحق أطرًا. قوله تأطروهم)
بالهمز وكسر الطاء المهملة (أي: تعطفوهم) وأصل: الأطر العطف (ولتقصرنه) بضم الصاد المهملة (أي لتحبسنه) والقصر:
الحبس ومنه قوله تعالى: ﴿حُورٌ
مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:
72].
الحمد لله رب العالمين
تحقيق
رياض الصالحين للألباني
201
- (ضعيف)
قلت
كذا قال الترمذي وفيه نظر ظاهر لأن مداره على أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ولم
يسمع من أبيه كما ذكره الترمذي مرارا فهو منقطع. ثم إنهم اضطربوا عليه في إسناده
على وجوه أربعة سقتها وفصلت القول فيها في (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة
وأثرها السيئ في الأمة) برقم (1105) [127].
![]() |
اللهُم ارحم مَوتانا مِن المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ جَنّات
النَعيمْ
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال
|

