شرح حديث/ الخازن المسلم الأمين الذي ينفذ ما أمر به

شرح حديث/ الخازن المسلم الأمين الذي ينفذ ما أمر به
المؤلف احمد خليل
تاريخ النشر
آخر تحديث

باب التعاون على البر والتقوى

لفضيلة الدكتور خالد بن عثمان السبت
شرح – حديث – الخازن – المسلم – الأمين – الذي – ينفذ – ما – أمر - به

شرح حديث/ الخازن المسلم الأمين الذي ينفذ ما أمر به

أحاديث رياض الصالحين: باب التعاون على البر والتقوى.

١٨٥- وَعَنْ أَبِي موسى الأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه، عن النبيِّ أَنَّهُ قَالَ: «الخَازِنُ المُسْلِمُ الأَمِينُ الَّذِي يُنَفِّذُ مَا أُمِرَ بِهِ، فَيُعْطِيهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا، طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ؛ أَحَدُ المُتَصَدِّقين» [١] متفقٌ عَلَيهِ.

وفِي روايٍة: «الَّذي يُعطِي ما أُمِرَ بهِ» [٢]، وضبطُوا «المتَصَدِّقَينِ» بفتح القاف، مع كسرِ النونِ على التَّثنِيةِ، وعكسه على الجَمْعِ، وكلاهما صَحِيحٌ.


الـشـرح:

وهذا الحديث الأخير حديث أَبِي موسى الأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه، عن النبيِّ أَنَّهُ قَالَ: «الخَازِنُ المُسْلِمُ الأَمِينُ الَّذِي يُنَفِّذُ مَا أُمِرَ بِهِ، فَيُعْطِيهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا، طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ؛ أَحَدُ المُتَصَدِّقين». وفي هذا الحديث ذكر النبي شروطًا للخازن:

الأول: الإسلام؛ لأن الكافر لا يثاب ولا يؤجر وليس له حسنات عند الله عزَّ وجلَّ.

الشرط الثاني: الأمانة، أما الخازن الخائن فلا يدخل في هذا الوعد.

الشرط الثالث: الذي يُنفذ ما أُمر به.

الشرط الرابع: أن يعطيه كاملاً موفراً، ويخرج من ذلك الذي يُنقصه، وهذا حال الكثير ممن يقومون على مثل هذه الأمور، كأنه يعطي الناس من ماله، فيُنقص من ذلك، ولربما يؤذيهم؛ ولهذا قال: طيبة به نفسه، وهو الشرط الرابع، فلا يلاقيهم بوجه عبوس، ولا يؤذيهم بالقول، وما أشبه ذلك.

 

فإذا تحققت فيه الشروط المذكورة في الحديث فهو أحد المتصدقين، فهذا الخازن لم يتصدق، ولكن لأمانته صار أحد المتصدقين، وهذا فضل عظيم جداً، وفي رواية: «الَّذي يُعطِي ما أُمِرَ بهِ» بضم الهمزة، أو أَمَرَ به أي: أَمَر المعطي، وكل ذلك ثابت في هذه الرواية، والمعنى واحد.

 

وفي هذ الحديث عبرة عظيمة جداً، وهو أن فضل الله سبحانه وتعالى، واسع، فالإنسان قد لا يكون متصدقاً، ولكن يجري له أجر المتصدق، وذلك أن الله يجري الخير على يده، فمثلا: الإنسان الذي يقوم على مستودع خيري، أو جمعية خيرية، فيأتي الناس بصدقاتهم وأموالهم، وما أشبه ذلك، ويضعونها عند هذ الخازن، ثم يقوم فيها بأمر الله، فهو أحد المتصدقين، وليس فقط يؤجر على جهده ووقته، والساعات التي يقضيها إذا استحضر النية، بل له كأجورهم، فهو أحد المتصدقين، وهذا في كل الصور التي يمكن أن تدخل تحت هذا، ولذا فالإنسان يحرص دائماً أن يكون عاملاً لدين الله تبارك وتعالى، وأن يكون ممن يُنتفع به.

 

وأبواب الخير كثيرة جداً، لا عذر لأحد أن يقول: ليس عندي مال، يمكن أن يجري المال على يده، يمكن أن يعمل في جمعية خيرية من هذه الجمعيات، وتكون نيته حسنة، ليس من أجل مال يُعطاه، أو نحو ذلك، بل من أجل أن يكون له كأجر هؤلاء المتصدقين جميعاً، وهذا أمر قد لا يتسنى للإنسان مهما كان ماله، فلا يستطيع أن يقدم ما يقدمه أهل البلد، لكن إذا كان خازناً أميناً فإن له كأجورهم، وهكذا من يقوم على مستودع كتب مثلاً، أو أشرطة، أو نحو ذلك مما ينتفع به الناس، فإنه إن دفع ذلك لمستحقه كما طُلب منه فإنه يكون كالمتصدق تماماً، ومن الناس من إذا جاءه طلبة العلم يريدون كتاباً فإنه يريهم ألوان العنت والعناء والذل والمهانة، وكأنه يعطيهم شيئاً من عنده، نسأل الله العافية، فمن الناس من نفسه لا تطيب بالعطاء، ولهذا قال الله عزَّ وجلَّ: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: ٩]، وقد فسر جماعة من أهل العلم الشح بأنه أن يبخل الإنسان بما في يده، ويتطلع إلى ما في أيدي الآخرين، ولا يحب أن يراهم ينفقون، ويضيق صدره إذا رأى أحد الناس يُعطَى أو ينتفع، أو يستفيد، أو يُحسَن إليه -نسأل الله العافية، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} [النساء: ٣٧].

 

أسأل الله جَلَّ وَعَلاَ، أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعلنا وإياكم طُرقاً للخير، وأبواباً له، مفاتيح للمعروف مغاليق للشر، وصلّى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

 

[١] أخرجه البخاري: كتاب الزكاة، باب أجر الخادم إذا تصدق بأمر صحابه، رقم (١٤٣٨)، ومسلم: كتاب الزكاة، باب أجر الخازن الأمين والمرأة إذا تصدقت، رقم (١٠٢٣).

[٢] أخرجه البخاري: كتاب الزكاة، باب: وكالة الأمين في الخزانة ونحوها، (٣/١٠٣)، رقم (٢٣١٩).


الْحمْد لِلَّه ربِّ الْعالمين

اللَّهمَّ اِرْحم مَوْتَانا مِن المسْلمين واجْمعْنَا بِهم فِي جَنَّات النَّعِيم

تَقبَل اَللَّه مِنَّا ومنْكم صَالِح الأعْمال 

تعليقات

عدد التعليقات : 0