شرح حديث/ الدين النصيحة

شرح حديث/ الدين النصيحة
المؤلف احمد خليل
تاريخ النشر
آخر تحديث

باب النصيحة

لفضيلة الدكتور خالد بن عثمان السبت

شرح – حديث – الدين - النصيحة

شرح حديث/ الدين النصيحة


أحاديث رياض الصالحين: باب النصيحة. 

١٨٦- عَنْ أَبِي رُقَيَّة تَمِيمْ بْنْ أَوْسْ اَلدَّارِي -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ اَلنَّبِيَّ قَالَ: «اَلدِّينُ اَلنَّصِيحَةُ» قُلْنَا: لَمِنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ اَلْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتهُمْ» رواه مسلم [١].

 

الشرح:

هَذَا حَدِيثٌ عَظِيم رَوَاهُ مُسْلِمٌ في الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَلَهُ شَوَاهِدُ عِنْدَ غَيْرِ مُسْلِمٍ، يَقُولُ : «اَلدِّينُ اَلنَّصِيحَةُ» قُلْنَا: لَمِنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ اَلْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتهُمْ».

فَهَذَا الْحَدِيثُ الْعَظِيم يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ هُوَ النَّصِيحَة، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ شَأْنِهَا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا الدَّيْنِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ : «الْحَجُّ عَرَفَةَ» [٢].

وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّصِيحَةَ هِيَ الدَّيْنُ، وَهِيَ الْإِخْلَاصِ فِي الشَّيْءِ، وَالصِّدْقَ فِيهِ، حَتَّى يُؤَدِّيَ كَمَا أَوْجَبَ اللَّهُ، فَالدِّينُ هُوَ النَّصِيحَةِ فِي جَمِيعِ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ، وَفِي تَرْكِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَهَذَا عَامٌّ يَعُمُّ حَقَّ اللَّهِ، وَحَقِّ الرَّسُول، وَحَقّ الْقُرْان، وَحَقّ الْأَئِمَّة، وَحَقُّ الْعَامَّةِ.
وَالنَّصِيحَةُ كَمَا تَقَدَّمَ هِيَ الإِخْلَاصُ فِي الشَّيْءِ وَالعِنَايَةُ بِهِ، وَالْحِرْصِ عَلَى أَنَّ يُؤَدِّي كَامِلًا تَامًّا لَا غِشَّ فِيهِ وَلَا خِيَانَةَ وَلَا تَقْصِيرٍ، يُقَالُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: ذَهَب نَاصِح، أَيْ: لَيْسَ فِيهِ غِشٌّ. وَيَقُولُونَ أَيْضًا: عَمِلَ نَاصِح، يَعْنِي: لَيْسَ فِيهِ غِشٌّ.

وَهَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ فِي أَعْمَالِهِ نَاصِحًا لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ.

 

فَالنَّصِيحَةُ لِلَّهِ: تَوْحِيدُهُ -عَزَّ وَجَلَّ- وَالإِخْلَاصُ لَهُ، وَصُرِفَ الْعِبَادَةِ لَهُ -جَلَّ وَعَلَا- مِنْ صَلَاةِ وَصَوْمٍ وَحَجٍّ وَجِهَادٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، يَعْنِي: أَنَّ يَعْمَلَ فِي غَايَةِ مِنْ الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ، لَا يُعْبَدُ مَعَهُ سِوَاهُ، بَلْ يَعْبُدُه وَحْدَه، يَنْصَحَ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ وَيُكْمِلُهَا مَعَ الْإِيمَانِ بِهِ وَبِكُلِّ مَا أَمَرَ بِهِ، وَهَكَذَا يَنْصَحَ فِي أَدَاءِ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَتَرَكَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، يُؤَدِّي ذَلِكَ كَامِلًا لِعِلْمِه بِحَقِّ اللَّهِ، وَإِنْ اللَّهَ أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ يَخْلُصُ فِي ذَلِكَ يَعْتَنِي بِهِ.

 

وَهَكَذَا فِي حَقِّ الْقُرْان: يَتَدَبَّرُه وَيُتَعَقَّلُه وَيَعْمَلُ بِمَا فِيهِ مِنْ أَوَامِرِ وَيَنْتَهِيَ عَنْ النَّوَاهِي وَهُوَ كِتَابٌ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَحَبْلَهُ الْمَتِينَ، فَالْوَاجِب الْعِنَايَةِ بِهِ وَالنُّصْحِ فِي ذَلِكَ قَوْلًا وَعَمَلًا، وَذَلِك بِحِفْظ الْأَوَامِرِ وَتَرْكِ النَّوَاهِي وَالْوُقُوفُ عِنْدَ الْحُدُودِ الَّتِي بَيْنَهَا اللَّهُ فِي الْقُرْانِ الْكَرِيمِ حَتَّى لَا تُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنْ أَوَامِرِ اللَّهِ فِي الْقُرْانِ، وَحَتَّى لَا تُرْتَكَبُ شَيْئًا مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ مَعَ الْإِيمَانِ بِأَنَّهُ كَلَامٌ اللَّهُ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بدأ وَإِلَيْهِ يَعُودُ، هَذَا قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ قَاطِبَةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [الشعراء: ١٩٣-١٩٤]، وقال سبحانه: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}[الزمر: ١]، وقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: ١] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ كَلَامٌ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَأَنَّه مَنْزِلٍ مِنْ عِنْدِهِ، فَالْمُؤْمِن يُؤْمَن بِهَذَا كُلِّهِ وَهَكَذَا الْمُؤْمِنَة، وَيَعْتَقِد كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّهُ كَلَامٌ اللَّهُ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بدأ وَإِلَيْهِ يَعُودُ، خِلَافًا لِلْجَهْمِيَّة، وَمَنْ سَارَ فِي رِكَابَهُمْ الْمُبْتَدِعَة.

 

وَهَكَذَا النُّصْح لِلرَّسُول : يَكُون بِطَاعَة أَوَامِرِهِ، وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ، وَالْإِيمَانُ بِأَنَّهُ رَسُولٌ اللَّهِ حَقًّا، وَأَنَّهُ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، مَع الدِّفَاعِ عَنْ سُنَّتِهِ، وَالذَّبُّ عَنْهُمَا، كُلْ هَذَا مِنْ النُّصْحِ لِلرَّسُول ، وَهَكَذَا الْعِنَايَة بِأَحَادِيثِه وَبَيَان صَحِيحَهَا مِنْ سَقِيمِهَا وَالذَّبِّ عَنْهَا وَالِامْتِثَال لَهَا وَالْوُقُوفُ عِنْدَ الحُدُودِ الَّتِي حَدَّدَهَا اللَّهَ وَرَسُولَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} الآية [البقرة: ٢٢٩].
هَذِهِ النَّصِيحَةِ لِلرَّسُول ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ كَانَ كَمَالًا لِلنَّصِيحَة وَتَمَامًا لَهَا. فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ بِعِنَايَتِه بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ مِنْ الْحُقُوقِ يَكُونَ قَدْ نَصَحَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ بِأَدَاءِ فَرَائِضِ اللَّهِ، وَتَرْكِ مَحَارِمِ اللَّهِ، وَالْوُقُوفُ عِنْدَ حُدُودِ اللَّهِ، وَالْإِكْثَارُ مِنْ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَخَشْيَتِه جَلَّ وَعَلَا، كُلَّ هَذَا مِنْ النَّصِيحَةِ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِه .


أَمَّا النَّصِيحَة لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ: فَبِالدُّعَاء لَهُمْ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لَهُمْ فِي الْمَعْرُوفِ، وَالتَّعَاوُن مَعَهُمْ عَلَى الْخَيْرِ، وَتَرْكِ الشَّرِّ، وَعَدَمِ الْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ، وَعَدَمِ مُنَازَعَتُهُمْ إلَّا أَنْ يُوجَدَ مِنْهُمْ كَفَرَ بِوَاح عَلَيْهِ بُرْهَانٌ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي مُبَايَعَةِ الأَنْصَارِ لِلنَّبِيِّ .
وَمَنْ النَّصِيحَةُ لَهُمْ تَوْجِيهُهُمْ إلَى الْخَيْرِ، وَأَمْرِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيِهِمْ عَنْ الْمُنْكَرِ بِالْأسْلَوب الْحَسَنُ وَالرِّفْق وَسَائِرُ الطُّرُقِ الْمُعْتَبَرَة؛ عَمَلًا بِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَبِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: ٢]، وقوله سبحانه: {وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: ١-٣].


وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ: فَإِنَّهَا تَكُونُ بِتَعْلِيمِهِمْ وَتَفْقيههم فِي الدَّيْنِ، وَدَعْوَتِهِمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَمْرِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيِهِمْ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ وَالتَّعْزِيرَات الشَّرْعِيَّةِ، كُلُّ هَذَا مِنْ النَّصِيحَةِ لَهُمْ، وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ [٣].

 

[١] أخرجه البخاري: في كتاب الإيمان: "باب الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين"، ومسلم: في كتاب الإيمان: "باب بيان أن الدين النصيحة" رقم (٥٥).

[٢] أخرجه الترمذي: في كتاب العلل: "باب حدثنا عبد الله بن أبي زياد وغير واحد قالوا حدثنا"، والنسائي: في كتاب مناسك الحج: "باب فرض الوقوف بعرفة" رقم (٣٠١٦).

[٣] أجاب عنه سماحته في تاريخ ١٨/ ١٢/ ١٤١٢ هـ. (مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز (٥٢٤/٢٧).


الْحمْد لِلَّه ربِّ الْعالمين

اللَّهمَّ اِرْحم مَوْتَانا مِن المسْلمين واجْمعْنَا بِهم فِي جَنَّات النَّعِيم

تَقبَل اَللَّه مِنَّا ومنْكم صَالِح الأعْمال

تعليقات

عدد التعليقات : 0