شرح حديث / من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة

شرح حديث / من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة
المؤلف احمد خليل
تاريخ النشر
آخر تحديث

باب بيان كثرة طرق الخير

شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله

شرح - حديث - من - توضأ - فأحسن - الوضوء - ثم - أتى - الجمعة

شرح حديث / من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة


أحاديث رياض الصالحين: باب بيان كثرة طرق الخير

 

١٣٠ - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قالَ: قَال رسولُ اللَّه : «منْ توضَّأ فأحَسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أتَى الْجُمعةَ، فَاستمع وأنْصتَ، غُفِر لَهُ مَا بيْنَهُ وبيْنَ الْجُمعةِ وزِيادةُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ، ومَنْ مسَّ الْحصا فَقد لَغَا» رواه مسلم.

 

الشرح:

في هذا الحديث دليل على أن الحضور إلى الجمعة بعد أن يحسن الإنسان وضوءه، ثم يستمع إلى الخطيب وهو يخطب، وينصت، فإنه يغفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة، وفضل ثلاثة أيام، وهذا عمل يسير ليس فيه مشقة على الإنسان؛ أن يتوضأ ويحضر إلى الجمعة وينصت لخطبة الإمام حتى يفرغ.

 

وقوله في هذا الحديث: «من توضأ» لا يعارض ما ثبت في الصحيحين وغيرهما، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي قال: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» فإن هذا الحديث الثاني فيه زيادة على الحديث الأول، فيؤخذ بها. كما أنه أيضًا أصح منه. فإنه أخرجه الأئمة السبعة، وهذا لم يخرجه إلا مسلم، فيجب أولًا على من أراد حضور الجمعة: أن يغتسل وجوبًا، فإن لم يفعل كان آثمًا، ولكن الجمعة تصح، لأن هذا الغسل ليس عن جنابة حتى نقول إن الجمعة لا تصح؛ بل هو غسل واجب كغيره من الواجبات، إذا تركه الإنسان أثم وإن فعله أثيب.

 

ويدل على أنه ليس شرطًا لصحة الصلاة وإنما هو واجب؛ أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- دخل ذات يوم وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يخطب الناس يوم الجمعة، فقال أمير المؤمنين عمر: لماذا تأخرت؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين ما زدت على أن توضأت ثم أتيت، يعني: كأنه شغل -رضي الله عنه- ولم يتمكن من الحضور مبتكرًا. فقال عمر -وهو على المنبر والناس يسمعون- قال لأمير المؤمنين عـثمان: والوضوء أيضًا، وقد قال النبي : «إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل» يعني: كيف تقتصر على الوضوء؛ وقد قال النبي : «إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل» فأمر من أتى الجمعة بالاغتسال؟ ولكن لم يقل له اذهب فاغتسل، لأنه لو ذهب واغتسل، فربما تفوته الجمعة التي من أجلها وجب الغسل فيضيع الأصل إلى الفرع.

 

فالحاصل أن هذا الحديث الذي ساقه المؤلف، وإن كان يدل على عدم وجوب الاغتسال؛ لكن هناك أحاديث أخرى تدل على وجوب الاغتسال.

 

وفي هذا الحديث: دليل على فضيلة الاستماع إلى الخطبة، والإنصات، والاستماع: أن يرعاها سمعه، والإنصات: الا يتكلم، هذا الفرق بينهما. فيستمع الإنسان ويتابع بسمعه كلام الخطيب، ولا يتكلم. وقد ثبت عن النبي -عليه الصلاة والسلام-: أن «من يتكلم يوم الجمعة والأمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفارًا» والحمار أبلد الحيوانات، يحمل أسفارًا -يعني: كتبًا - ولكنه لا ينتفع بالكتب إذا حملها؟ ووجه الشبه بينهما أن هذا الذي حضر لم ينتفع بالخطبة لأنه تكلم، وقال : «والذي يقول له: أنصت -يعني: يسكته- فقد لغا) ومعنى لغا أي: فاته أجر الجمعة، فالمسألة خطيرة.

 

ولهذا قال هنا: «ومن مس الحصى فقد لغا» وقد كان في عهد الرسول يفرش المسجد بالحصبة، وهي: الحصى الصغار مثل العدس، أو أكبر قليلًا، أو أقل، يفرش بها الفرش التي نفرشها الآن، فكان بعض الناس ربما يعبث بالحصى، يحركها بيده، أو يمسحها بيده، أو ما أشبه ذلك، فقال : «من مس الحصى فقد لغا» لأن مس الحصى يلهيه عن الاستماع للخطبة، ومن لغا فلا جمعة له، يعني: يحرم ثواب الجمعة التي فضلت بها هذه الأمة على غيرها.

 

وإذا كان هذا في مس الحصى، فكذلك أيضًا الذي يعبث بغير مس الحصى، الذي يعبث بتحريك القلم، أو الساعة، أو المروحة التي يحركها ويلفها دون حاجة، أو الذي يعبث بالسواك، يريد أن يتسوك والإمام يخطب إلا لحاجة، كأن يأتيه النوم أو النعاس؛ فأخذ يتسوك ليطرد النعاس عنه؛ فهذا لا بأس به، لأنه لمصلحة استماع الخطبة، وقد سئلنا عن الرجل يكتب ما يسمعه في الخطبة؛ لأن بعض الناس ينسى فيقول: أنا كلما مرت على جملة مفيدة أكتبها، هل يجوز أم لا؟ فالظاهر أنه لا يجوز، لأن هذا إذا اشتغل بالكتابة تلهى عما يأتي بعدها، لأن الإنسان ليس له قلبان. فإذا كان يشتغل بالكتابة تلهى عما يقوله الخطيب في أثناء كتابته لما سبق، ولكن الحمد لله، الآن قد جعل الله للناس ما يرحهم، حيث جاءت هذه المسجلات. فبإمكانك أن تحضر المسجل تسجل الخطبة في راحة، وتستمع إليها في بيتك، أو في سيارتك، على أي وضع كنت. والله الموفق.


الحمد لله رب العالمين

اللهُم ارحم مَوتانا مِن المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ جَنّات النَعيمْ

تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال

تعليقات

عدد التعليقات : 0