باب
بيان كثرة طرق الخير
لفضيلة الدكتور خالد بن عثمان
السبت
شرح
حديث/ قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل
أحاديث رياض الصالحين: باب بيان كثرة طرق الخير.
١١٩ - عن أَبِي ذرٍّ جُنْدَبِ بنِ جُنَادَةَ -رضي اللَّه عنه- قَالَ: قُلْتُ يَا رسولَ اللَّه، أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟ قَالَ: «الإِيمانُ بِاللَّهِ، وَالجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ». قُلْتُ: أيُّ الرِّقَابِ أفْضَلُ؟ قَالَ: «أنْفَسُهَا عِنْد أهْلِهَا، وأكثَرُهَا ثَمَنًا». قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أفْعلْ؟ قَالَ: «تُعينُ صَانِعًا أوْ تَصْنَعُ لأخْرَقَ» قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّه أرَأيتَ إنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ الْعملِ؟ قَالَ: «تَكُفُّ شَرَّكَ عَن النَّاسِ فَإِنَّها صدقةٌ مِنْكَ عَلَى نَفسِكَ». متفقٌ عليه.
"الصانِعُ"
بالصَّاد المهملة هَذَا هُوَ المشهور، ورُوِي "ضَائعًا" بالمعجمة: أيْ
ذَا ضِياع مِنْ فقْرِ أوْ عِيالٍ، ونْحو ذلكَ "والأخْرَقُ": الَّذي لا
يُتقنُ مَا يُحاوِلُ فِعْلهُ
الشرح:
وأصحاب
النبي ﷺ
كانوا غاية في الحرص على الخير والتقرب إلى الله تعالى، فكانوا يسألون عن ذلك نبي
الله ﷺ،
تارة يسألونه عن عمل يدخلهم الجنة ويباعدهم من النار، وتارة يسألونه عن أفضل
الأعمال، وتارة يطلبون منه ﷺ
الوصية "أوصِني".
فالمقصود
أن النبي ﷺ
قال له أبو ذر -رضي الله عنه- قلت: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: «الإيمان بالله، والجهاد في سبيله».
أيّ
شرائع الإيمان؟ أيّ الأعمال التي تكون أثقل وأرجح في ميزان العبد؟ وكما سبق فإن
هذه الشريعة واسعة، قد شبهها بعض أهل العلم كشيخ الإسلام بالشرائع المتعددة، ففي
كل باب من أبواب الخير تجد مجالًا واسعًا للعمل الصالح في ذلك الباب، فقال:
الإيمان بالله، والجهاد في سبيله، فالإيمان لا يعدله شيء، الإيمان هو أثقل شيء في
ميزان العبد، وهو الأصل الذي يبنى عليه قبول الأعمال، والمقصود به هنا -والله
تعالى أعلم- الذي يكون في مقابل العمل، وذلك إقرار القلب وتصديقه الانقيادي مع
النطق بالشهادتين؛ لأن النبي ﷺ
ذكر معه الجهاد في سبيل الله، وإلا فإن الأصل إذا أطلق دخل فيه كل شرائع الإسلام،
يدخل فيه الصلاة، كما قال النبي ﷺ:
«الإيمان بضع وسبعون وشعبة، أعلاها لا إله إلا الله،
وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»، فهنا الإيمان بالله هو مقتضى شهادة أن لا
إله إلا الله، التصديق الانقيادي، والإقرار القلبي، والإذعان والإقرار باللسان،
الإيمان بالله.
والجهاد
في سبيله، وإذا أطلق الجهاد فإن المقصود به مقارعة الأعداء، وهو قتال الكفار في
الأصل لرفع كلمة الله تعالى، لتكون كلمة الله هي العليا، إذا أطلق الجهاد فإن
المقصود به مقارعة الأعداء، وهو قتال الكفار في الأصل لرفع كلمة الله تعالى، لتكون
كلمة الله هي العليا، وذلك فيه من بذل النفوس والأموال ما فيه، وهما أحب شيء إلى
الإنسان وأغلاه، الإنسان أغلى ما يملك هو نفسه، وكذلك أيضًا يليه المال.
لولا المشقةُ ساد الناسُ كلُّهُمُ. الجودُ
يُفقِر والإقدامُ قتّالُ
على
وهم الشاعر، أو على الأقل فهمه، مع أن ذلك ليس بصحيح، يعني: لا الجودُ يُفقِر، ولا
الإقدامُ قتّالُ، وإنما كما قال الشاعر:
لو
كان حيًّا مُدرِكَ الفلاحِ. لناله مُلاعِبُ الرماحِ
فركوب
الأخطار لا يحرك ولا يغير ولا يقدم في الأجل، كما أن الخوف والهلع وطلب السلامة لا
يؤخر الأجل، فالموت إذا جاء لا ينتظر، ولا يفرق بين الجبان والشجاع، كلهم يموتون
بآجالهم، أشد الناس خوفًا وحذرًا من الموت وترقبًا لعافيته وصحة بدنه، والإنسان
الآخر الذي هو في غاية التهور لا يموت أحد منهم إلا بالأجل.
فقال:
قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: «أنفسها عند أهلها وأكثرها
ثمنًا».
أي
الرقاب؟ يعني: العبيد، إذا أراد أن يعتق أيها أفضل؟ فقال: «أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنًا»، الأرقّاء هؤلاء
يتفاوتون غاية التفاوت، منهم من يباع بسعر زهيد؛ لأنه أينما توجهه لا يأتي بخير،
كَلٌّ على مولاه، لا ينفع، ولا يستفاد منه، بل يأتي بالضرر، إن أعطيته سلعة
أضاعها، وإن أعطيته مالًا ضيعه، وإن دخل مع أحد في عمل أفسده، وهكذا في حال لا
يجني على صاحبه أو على سيده أو على مولاه خيرًا قط، فمثل هذا يباع ولو بحبل، لكن
من الرقاب ما يساوي الشيء الكثير، قد يكون هذا صانعًا ماهرًا في صناعات دقيقة، وقد
يكون هذا الرقيق عالمًا في جانب من جوانب العلم، قد يكون طبيبًا حاذقًا، قد يكون
غير ذلك من أصحاب المهارات والصنائع وأرباب الفنون، فمثل ذلك يباع بالملايين، الآن
اللاعب يباع بالملايين، فلو جاءك رقيق يباع بالملايين فهذا لا عبرة به، لكن
المقصود ما ينتفع به.
فهنا
أي الرقاب أفضل؟ قال: أنفسها لولا المشقةُ ساد الناسُ كلُّهُمُ. الجودُ يُفقِر
والإقدامُ قتّالُ.
عند
أهلها وأكثرها ثمنًا، لأنه إنما يراد نفعه، فهل يقال مثل هذا مثلًا في الأضحية
والهدي؟ إذا أراد الإنسان أن يشتري أضحية بألف ريال، هل الأفضل أن يشتري اثنتين
بخمسمائة وخمسمائة أو يشتري واحدة بألف؟
من
أهل العلم من قال: الأفضل أن يشتري اثنتين؛ لأن ذلك أكثر في الطعام، ويستطيع أن
يوزع على قدر أكبر، ومنهم من نظر إلى طيب اللحم، من نظر إلى أنه هو المقصود في
الأضحية، قال: لا شك أن الواحدة التي بألف هي أطيب لحمًا، فهي أفضل من الاثنتين،
فبعض أهل العلم رأوا أن المقصود بالأضاحي هو النفع باللحم، وهذا إذا كان يصل إلى
أكبر قدر من الناس فهو أفضل، فقالوا كالمصنف -رحمه الله- في بعض كتبه، قالوا: إذا
ضحى باثنتين أفضل من واحدة بقيمة اثنتين، كذلك في الهدي.
ولكن
في الرقيق هنا الحديث نص على أن أفضل ذلك هو الأنفس عند أهله؛ لأنه يقصد نفعه، فقد
تعتق هذا ويصير هذا الإنسان نافعًا للمسلمين، نافعًا للأمة وقد تعتق عشرة أو مائة
بقيمته لا ينفعون بشيء، يجلسون عند أبواب المساجد يتسولون، هؤلاء ماذا يُبتغى
منهم؟ لكن هذا الذي أعتقته قد يتولى ولايات، وقد ينفع الله به نفعًا كثيرًا، وقد
يكون قائدًا للجيش، وهكذا.
أيّ
الرقاب أفضل؟ قال: «أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنًا»،
قلت: فإن لم أفعل؟ قال: «تعين صانعًا، أو تصنع لأخرق».
تعين
صانعًا، إما أن تشترك معه في الصنعة من باب المساعدة، وإما أن تجلب له ما يحتاج
إليه، أو نحو ذلك، تستأجر له محلا، تحضر له أدوات مما يحتاج إليه، أو تصنع لأخرق،
الأخرق: هو الذي لا يجيد الصنعة، لا يعرف، لا يحسن، تصنع له، الإنسان الذي لا يحسن
أن يصنع عملًا هو بحاجة إليه، فيأتي إنسان ويصلح له هذا، إنسان تعطلت سيارته، ولا
يدري ماذا يصنع بها، هو ما يعرف كيف يفتح الغطاء، فتأتي وتصلحها له، فمثل هذا تصنع
لأخرق، تصلح له شيئًا قد فسد عليه من متاعه، في بيته
وما أشبه ذلك.
قلت:
يا رسول الله، أرأيتَ إن ضعفتُ عن بعض العمل؟ قال: «تكف
شرك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك» متفق عليه.
الآن
هذا الإنسان سأل عن أفضل الأعمال، ثم أفضل الرقاب، ثم قال: إن لم أفعل؟ ما اشتريت
أفضل الرقاب، قال: هناك شيء ما تخسر أنك تساعد إنسانًا أو تصنع لإنسان، لا تخسر
شيئًا، قال: فإن لم أفعل؟ قال: كُف الشر، فكَف الشر عن الناس صدقة بنص هذا الحديث،
«فإنها صدقة منك على نفسك»؛ لأنك إن أوصلت
الشر إلى الآخرين وآذيتهم فإنما تكتسب بذلك أوزارًا، والنبي ﷺ يقول: «من اقتطع حق امرئ مسلم حرم الله عليه الجنة»،
وأحاديث الوعيد الواردة في هذا كثيرة جدًّا بتعظيم حرمات المسلمين، وحقوقهم وما
أشبه هذا، فالإنسان إذا كان لا يستطيع أن يعمل بالخير، أو يتكلم بالخير، أو يأمر
بالمعروف، أو يصلح بين الناس، فلا أقل من أن يكف شره عنهم، لا يغتابهم، لا يقع في
أعراضهم، لا يمشي بينهم في النميمة، ويفسد العلائق بينهم والوشائج، لا يصل إليهم
أذاه بالسب والشتم أو باليد أو بغير ذلك مما يصل به الأذى، السخرية من الناس،
التعدي على ممتلكاتهم، التعدي على نفوسهم، وما أشبه ذلك، فهذه صدقة من الإنسان على
نفسه، وهذا لو أن الإنسان مشى عليه يحرص أن يعمل بأفضل الأعمال، فإذا عجز بحث عما
دونه، فإن عجز عن ذلك فلا أقل من أن يكف شره عن الناس، لكن الإنسان أحيانًا لا
يوفق، فينسى نفسه والاشتغال بإصلاحه، وينسى عيوبه، ويصير إقباله وهمته وشغله وكده
-نسأل الله العافية- فيما يضره، في أذى الناس، ولربما استنفذ طاقته وتفكيره وذكاءه
في الوان الأعمال والحيل التي يتوصل بها إلى أذية الناس، فهذا إنما يضر نفسه،
ويهلكها، ولا يضيع عند الله تعالى شيء، فكما تدين تدان.
هذا،
وأسأل الله تعالى، أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين،
وصل الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين
اللهُم ارحم مَوتانا مِن المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ جَنّات النَعيمْ
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال
