باب
بيان كثرة طرق الخير
شرح
العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله
شرح حديث/ الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون
أحاديث رياض الصالحين: باب بيان كثرة طرق
الخير.
١٢٧- عن أبي هريرة رضي اللَّه عَنْهُ، عن
النَّبيّ ﷺ قَالَ: «الإِيمَانُ
بِضْعٌ وَسبْعُونَ، أوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شَعْبَةً: فَأفْضلُهَا قوْلُ لاَ إلَهَ
إلاَّ اللَّهُ، وَأدْنَاهَا إمَاطَةُ الأذَى عنِ الطَّرِيقِ، وَالحيَاءُ شُعْبةٌ
مِنَ الإِيمانِ» [١] متفقٌ عَلَيهِ.
«البِضْعٌ» من ثلاثة إلى تسعة، بكسر
الباء وقد تفتح. (والشُعْبةٌ): القطعة.
الشرح:
هذا الحديث بين فيه الرسول عليه الصلاة
والسلام، أن الإيمان ليس خصلة واحدة، أو شعبة واحدة، ولكنه شعب كثيرة؛ "بِضْعٌ وَسبْعُونَ" يعني: من ثلاث وسبعين إلى
تسع وسبعين، "أوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شَعْبَة"
ولكن أفضها كلمة واحدة، وهي: "لاَ إلَهَ إلاَّ
اللَّهُ"، هذه الكلمة لو وزنت بها السماوات والأرض لرجحت بها؛ لأنها
كلمة الإخلاص، وكلمة التوحيد، الكلمة التي أسأل الله أن يختم لي ولكم بها، من كانت
آخر كلامه من الدنيا دخل الجنة [٢]. هذه الكلمة هي أفضل شعب الإيمان، "وَأدْنَاهَا إمَاطَةُ الأذَى عنِ الطَّرِيقِ"،
يعني: إزالة الأذى عن الطريق، وهو كل ما يؤذي المارين، من حجر، أو شوك، أو زجاج،
أو خرق، أو غير ذلك، كل ما يؤذي المارين إذا أزلته فإن ذلك من الإيمان.
قوله: "وَالحيَاءُ
شُعْبةٌ مِنَ الإِيمانِ" وفي حديث آخر: "وَالحيَاءُ مِنَ الإِيمانِ" [٣].
والحياء: حالة نفسية تعتري الإنسان عند
فعل ما يخجل منه، وهي صفة حميدة كانت خلق النبي عليه الصلاة والسلام، فكان من خلقه
عليه الصلاة والسلام، الحياء، حتى إنه كان أكثر حياء من العذراء في خدرها عليه
الصلاة والسلام، إلا أنه لا يستحي من الحق.
فالحياء صفة محمودة، لكن الحق لا يستحي
منه، فإن الله تَبارَك وتعالى يقول: {وَاللَّهُ لا
يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} [الأحزاب: ٥٣]، وقال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا
بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: ٢٦] الحق لا يستحي منه، ولكن ما سوى
الحق فإن من الأخلاق الحميدة أن تكون حييًا، ضد ذلك من لا يستحي، فلا يبالي بما
فعل، ولا يبالي بما قال. ولهذا جاء في الحديث: «إنَّ ممَّا
أدْرَكَ النَّاسُ مِن كَلامِ النُّبوَّةِ الأولَى: إذا لم تَسْتَحْيِ فاصنَعْ ما
شِئْتَ» [٤] والله الموفق.
[١] صحيح البخاري: (٩)، مسلم: (٣٥).
[٢] أخرجه أبو داود: (٣١١٦) واللفظ له، وأحمد:
(٢٢٠٣٤).
[٣] أخرجه الترمذي: (٢٠٠٩)، وأحمد: (١٠٥١٩)،
وابن حبان: (٦٠٨).
[٤] أخرجه البخاري: (٦١٢٠).
الْحمْد
لِلَّه ربِّ الْعالمين
اللَّهمَّ اِرْحم مَوْتَانا
مِن المسْلمين واجْمعْنَا بِهم فِي جَنَّات النَّعِيم
تَقبَل اَللَّه مِنَّا
ومنْكم صَالِح الأعْمال
