فتح الباري شرح صحيح البخاري
ابن حجر العسقلاني - أحمد بن علي بن حجر
العسقلاني
باب الصلاة في السطوح
والمنبر والخشب
فتح الباري شرح صحيح البخاري: كِتَابُ
الصَّلاَةِ بَابُ الصَّلاَةِ فِي السُّطُوحِ وَالمِنْبَرِ وَالخَشَبِ.
قَالَ
أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَلَمْ يَرَ الحَسَنُ بَأْسًا أَنْ يُصَلَّى عَلَى الجُمْدِ
وَالقَنَاطِرِ، وَإِنْ جَرَى تَحْتَهَا بَوْلٌ أَوْ فَوْقَهَا أَوْ أَمَامَهَا
إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ. وَصَلَّى أَبُو هُرَيْرَةَ: عَلَى سَقْفِ
المَسْجِدِ بِصَلاَةِ الإِمَامِ. وَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ: عَلَى الثَّلْجِ.
٣٧٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ
اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، قَالَ:
سَأَلُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ المِنْبَرُ؟ فَقَالَ: مَا بَقِيَ
بِالنَّاسِ أَعْلَمُ مِنِّي، هُوَ مِنْ أَثْلِ الغَابَةِ عَمِلَهُ فُلاَنٌ مَوْلَى
فُلاَنَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ،
وَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ عُمِلَ
وَوُضِعَ، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، كَبَّرَ وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ
وَرَكَعَ وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَه،ُ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ رَجَعَ
القَهْقَرَى، فَسَجَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى المِنْبَرِ، ثُمَّ
رَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ
بِالأَرْضِ. فَهَذَا شَأْنُهُ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ
المَدِينِيِّ: سَأَلَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ هَذَا
الحَدِيثِ، قَالَ: فَإِنَّمَا أَرَدْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَعْلَى مِنَ
النَّاسِ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَكُونَ الإِمَامُ أَعْلَى مِنَ النَّاسِ بِهَذَا
الحَدِيثِ، قَالَ: فَقُلْتُ: إِنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ كَانَ يُسْأَلُ عَنْ
هَذَا كَثِيرًا فَلَمْ تَسْمَعْهُ مِنْهُ قَالَ: لاَ.
الشرح:
قوله: (باب الصلاة في السطوح والمنبر
والخشب) يشير بذلك إلى الجواز، والخلاف في ذلك عن بعض التابعين وعن المالكية في
المكان المرتفع لمن كان إماما.
قوله: (قال أبو عبد الله) هو المصنف،
والحسن هو البصري، والجمد بفتح الجيم وسكون الميم بعدها دال مهملة: الماء إذا جمد،
وهو مناسب لأثر ابن عمر الآتي أنه صلى على الثلج، وحكى ابن قرقول أن رواية الأصيلي
وأبي ذر بفتح الميم، قال القزاز: الجمد محرك الميم هو الثلج، نقل ابن التين عن
الصحاح: الجمد بضم الجيم والميم وبسكون الميم أيضا مثل عسر وعسر المكان الصلب
المرتفع. قلت: وليس ذلك مرادا هنا، بل صوب ابن قرقول وغيره الأول؛ لأنه المناسب
للقناطر لاشتراكهما في أن كلا منهما قد يكون تحته ما ذكر من البول وغيره، والغرض
أن إزالة النجاسة يختص بما لاقى المصلي، أما مع الحائل فلا.
قوله: (وصلى أبو هريرة على ظهر المسجد)
وللمستملي "على سقف"، وهذا الأثر وصله ابن أبي شيبة من طريق صالح مولى
التوأمة قال "صليت مع أبي هريرة فوق المسجد بصلاة الإمام" وصالح فيه
ضعف، لكن رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن أبي هريرة فاعتضد.
قوله: (حدثنا علي بن عبد الله) هو ابن
المديني، وسفيان هو ابن عيينة، وأبو حازم هو ابن دينار.
قوله: (ما بقي بالناس) وللكشمهيني
"في الناس" (أعلم مني) أي: بذلك.
قوله: (من أثل) بفتح الهمزة وسكون
المثلثة شجر معروف، والغابة بالمعجمة والموحدة موضع معروف من عوالي المدينة.
قوله: (عمله فلان مولى فلانة) اختلف في
اسم النجار المذكور كما سيأتي في الجمعة، وأقربها ما رواه أبو سعيد في "شرف
المصطفى" من طريق ابن لهيعة عن عمارة بن غزية عن عباس بن سهل عن أبيه قال:
كان بالمدينة نجار واحد يقال له ميمون فذكر قصة المنبر. وأما المرأة فلا يعرف
اسمها لكنها أنصارية. ونقل ابن التين عن مالك: أن النجار كان مولى لسعد بن عبادة،
فيحتمل أن يكون في الأصل مولى امرأته ونسب إليه مجازا، واسم امرأته فكيهة بنت عبيد
بن دليم، وهي ابنة عمه، أسلمت وبايعت، فيحتمل أن تكون هي المرادة. لكن رواه إسحاق
بن راهويه في مسنده عن ابن عيينة فقال: مولى لبني بياضة. وأما ما وقع في الدلائل
لأبي موسى المديني نقلا عن جعفر المستغفري أنه قال: في أسماء النساء من الصحابة
علاثة بالعين المهملة وبالمثلثة، ثم ساق هذا الحديث من طريق يعقوب بن عبد الرحمن
عن أبي حازم قال: وفيه أرسل إلى علاثة امرأة قد سماها سهل، فقد قال أبو موسى: صحف
فيه جعفر أو شيخه، وإنما هو "فلانة"، انتهى.
ووقع عند الكرماني قيل: اسمها عائشة،
وأظنه صحف المصحف، ولو ذكر مستنده في ذلك لكان أولى. ثم وجدت في الأوسط للطبراني
من حديث جابر أن رسول الله ﷺ
كان يصلي إلى سارية في المسجد ويخطب إليها ويعتمد عليها، فأمرت عائشة فصنعت له
منبره هذا، فذكر الحديث وإسناده ضعيف.
ولو صح لما دل على أن عائشة هي
المرادة في حديث سهل هذا إلا بتعسف، والله أعلم.
والغرض من إيراد هذا الحديث في هذا الباب
جواز الصلاة على المنبر، وفيه جواز اختلاف موقف الإمام والمأموم في العلو والسفل،
وقد صرح بذلك المصنف في حكايته عن شيخه علي بن المديني عن أحمد بن حنبل. ولابن
دقيق العيد في ذلك بحث، فإنه قال: من أراد أن يستدل به على جواز الارتفاع من غير
قصد التعليم لم يستقم؛ لأن اللفظ لا يتناوله، ولانفراد الأصل بوصف معتبر تقتضي
المناسبة اعتباره فلا بد منه، وفيه دليل على جواز العمل اليسير في الصلاة كما
سيأتي في موضعه.
قوله: (قال فقلت) أي: قال عليّ لأحمد بن
حنبل.
قوله: (فلم تسمعه منه؟ قال: لا) صريح في أن أحمد بن حنبل لم يسمع هذا الحديث من ابن عيينة.
الحمد
لله رب العالمين
اللهُم ارحم مَوتانا مِن
المُسلِمين واجمعنا بهِم فيِ جَنّات النَعيمْ
تقبل الله منا ومنكم صالح
الأعمال
